بكــاء السماء

الموضوع في ',, البُريمِي لِـلخَواطِر ,,' بواسطة gmar, بتاريخ ‏27 أبريل 2008.

  1. gmar

    gmar ¬°•| مراقبة قسم سابقة|•°¬

    [​IMG]

    في طفولتي ..... كنت أشعر بخوف صاخب من المطر تشعرني سياطه بسياط معلمة "الرياضيات" على جسدي مهددة بأن هذا العقاب سيدوم طويلا إذا لم أحفظ جدول الضرب ، وبرقه يهز في داخلي مخاوف كثيرة تتشكل في شكل كوابيس تتفجر أثناء نومي الذي ظل متقطعا لفترات طويلة ، ويظل للرعد نصيب ضخم من جملة المخاوف التي تترأى أمام ناظري بدءا من صراخ أمي وأبي المتواصل وانتهاءا بصراخ معلمة " الرياضيات " عندها أظل منكمشة في صدر أمي التي تتعجب من تصرفاتي وتردد دائما " إن المطر نعمة من عند الله " ومع ذلك يظل جسدي ملتصقا حتى يهدأ الجو وينمحي شحوبه وتنزاح غمائمه الداكنة عن جبهة السماء عندها .... عندها فقط أخرج من قوقعتي وألعب في البرك التي خلفها المطر بسخاء متجاهلة الصرخات التي تصدرها أمي التي تدور حول النظافة بينما أواصل التحديق في البعوض الذي بدأ ينتشر في أرجاء كثيرة مخلفا أجنحة متساقطة أقوم بتجميعها وألاحظ بعد فترة ظهور بقع وردية على أنحاء متفرقة من جسدي .


    ولا تستطيع تلك الحبوب إيقافي عن مطاردة البعوض المنتشر وأنا ارشقه بالتراب المبلل محاولة صنع قذائف عدة بمساعدة ابن عمي " أحمد " الذي يكبرني بسنة كاملة .
    كان يشاركني معظم ألعابي وأشاركه في تسلق الجدران وفي كسر الزجاج عند بيت جارنا الأعمى " المعلم حمد"الذي كان دائم الصراخ والشكوى .
    ولكني حتى ذلك الوقت لم استطيع مشاركته في جمع مياه المطر وهي تتساقط أو حسابه عدد المرات التي ومض فيها البرق .



    ما زلت اذكر تلك الأيام التي استمر المطر ينهمر فيها بغزارة ، وظل جسدي ينتفض ,وأنا المح اهتزاز نافذة غرفتي وخفت أن يدخل المطر إلى الغرفة ويغرقني ، عندها اتجهت إلى أقرب بطانية ووضعتها بعناية بجوار النافذة وأنا أحس بارتعاش يتسلل إلى جسدي وهواء ساخن يخرج من انفي وفمي وأصبت بالحمى ثلاثة أيام لم أر البعوض خلالها ولم اصنع مع" أحمد"أي قذائف ترابية جديدة .
    ظل للمطر نكهة خاصة في قلبي ورهبة تتعاظم عند رؤية أي غيمة في الأفق لا يقلصها إلا الألعاب التي تظهر عند انحسار المطر بمشاركة " أحمد" ولم أحب نشيد " مطر مطر مطر بنعمة انهمر بالعشب والثمر ....."
    رغم تكرار " أحمد" لكلماته العذبة عند ظهور أي غيمة في الأفق .


    [​IMG]

    الآن انمحت كل تلك المخاوف وأضحت نوادر ارويها لزميلاتي أضحى المطر حلما جميلا يلفني ، يغزو أو صالي أرى في قطراته دموعا تغسل ما علق من أدران في صدري والمح في برقه توهجا يعلن عن نفسه بحدة ، انتظره بلهفه ، وارفع رأسي في كثير من الأحيان لأبحث عن غيمة قد تلد تلك القطرات التي تحتضني وأنا أسير تحتها بخطوات بطيئة أتمنى أن لا تنتهي ، ولا انس أن أتحسر على اللحظات الطفولية الغبية التي أضعتها في التشبث بملابس أمي وإغماض عيني وفصل نفسي عن كل ما يجري أكان خوفا طبيعيا أم انه حماقة من حماقات الطفولة الكثيرة التي ارتكبتها؟! بل ما زلت ارتكبها حتى الآن بصور مختلفة وبشكل أكبر.


    لقد بدأت افهم الكلمات التي يرددها " أحمد" والسعادة التي تملا قلبه ولكن هل يحس " أحمد" بعذوبة المطر الآن ؟! هل ما زال ينتظر الغيوم بلهفة طفل ؟! تراه يشهد صراع البرق والرعد من نافذة سكنه في الجامعة ؟!
    أسئلة عدة تنتاب مخيلتي في أحيان كثيرة تحت المطر وأنا اقرأ أنشودة المطر للسياب .
    اليوم في القاعة تغير الجو فجاءه تطلعت الوجوه نحو النوافذ أضحت محاضرة الكيمياء مملة جدا كانت القطرات تنساب على زجاج النافذة تناديني ، اشعر بجمالها أتخيل جسدي تحتها تغسل جسدي بسخاء تجعلني اشعر بلذة كبيرة أتناسى المعادلات الكيميائية المكدسة على السبورة ،والوجوه الكثيرة التي ترمقني وأتجاهل كل اللحظات السابقة وآلاتية وتبقى لحظة انتشاء واحدة ...... تحت زخات المطر .
    عندما أجد نفسي حائرة ، هائمة أفكر بالمطر ، ياللعجب بكاء السماء يزيل لحظاتي القاسية يذكرني بحقارة الدنيا وأهمية استغلال اللحظات النادرة .



    عندما رأيت " أحمد " في أخر مرة بدأ لي أكبر بعشرات السنين أطلق لشعر لحيته العنان ، كان متجهما ، غريبا ، صامتا ، تبخرت كل الأسئلة التي وددت أن أسالها ونسى أن يسألني هل أحببت المطر أخيرا؟! ابتلعت ريقي بصعوبة ، اتجهت نحو طاولتي وبخطوط واهية وحروف غير منتظمة كانت أنشودة " مطر مطر مطر بنعمة انهمر ........"
    امسكت بالقلم كتبت بجانبها وبخط واضح " سقوط المطر أكبر دليل على أن السماء تبكي على خطايا البشر "
    نظرت نحو النافذة لعل المح غيمة تائهة هنا أو هناك في قلب السماء .



    [​IMG]
    ذكريات ......gmar / سنة ثانية ......Chemistry
     
  2. دايم الشوق

    دايم الشوق ¬°•| مُشرف سابق |•°¬

    ما أروع تلك الأنامل التي خطت تلك الكلمات ..
    سيدتي قمر ... حين أقرأ تلك الكلمات وأدندنَ ذكرياتها بشفاهي .. احس بأني جزءَ منها ...

    كلمات راقية بإسلوبها الخفيف الجميل الراقي والمعنى المميز لتلك الكلمات ,,,,,

    بختصار ... خاطرتك فاقت كلمة الإبداع .. لا بل هي قمة الإبداع ..


    تقبلي تحياتي ,,,,, دايم الشوق
     
    آخر تعديل: ‏28 أبريل 2008
  3. آرينا

    آرينا ¬°•| عضو مبتدى |•°¬

    كلمات رقاقة ...

    و اسلوب جميل ...

    جعلنا نحلم بالمطر .. و الطفولة ... و البكاء


    سرني التواجد هنا .. و شجعني لاتواجد حيث يتواجد حرفك لأقراء او أسطر توقيع حضور

    تحياتي العذبة كأعذوبة المطر
     
  4. gmar

    gmar ¬°•| مراقبة قسم سابقة|•°¬

    *** اخوتي ***

    دايم الشوق ................آرينا



    ما أجمل طلتكم بصفحتي

    دمتم بسعادة..
     

مشاركة هذه الصفحة