الرد على الموضوع

بسم الله الرحمن الرحيم



شرح أسماء الله الحسنى


"العَلِيمُ- العَالِم- العَلاَّم"


جل جلاله وتقدست أسماؤه


المعنى اللغوي:

"العَلِيمُ- العَالِم- العَلاَّم" أي : العلم : نقيض الجهل .


والعَلَم: العلامة الدالة على الشيء، ولذلك سميت شعارات الدول أعلاماً لأنها علامة على دولهم وملكهم.


والعِلمُ: معرفة الشيء وإدراكه بحقيقته بدون تردد أو شك.


وقال أهل اللغة وعَلِمتُ الشيء: عرفته وخبرته ، وعَلِمَ بالشيء : شَعَربه.


وجاءت أسماء الله سبحانه وتعالى : "العَلِيمُ- العَلاَّم" على صيغة المبالغة واسم " العالِم" على صيغة اسم الفاعل.


ورود الاسم في القرآن الكريم : 


o ورد اسم " العليم" في مائة وسبعة وخمسين موضعاً من الكتاب منها :


((قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)).


وقوله : ((وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ))، وقوله: ((وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) ، وقوله : ((بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) ، وقوله : ((قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) إلى غيرها من الآيات .


o أما اسمه جل وعلا " العالِم" فقد ورد هذا الاسم في القرآن ثلاث عشرة منها : -


قوله تعالى : ((وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ))،وقوله تعالى: ((ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)). وقوله: ((عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)). وقوله: ((عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).

o وأما اسمه عز وجل" العلاّم" فقد ورد هذا الاسم في أربعة مواضع هي: -


قوله تعالى: ((قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ))، وقوله تعالى: ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ))، وقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ))..


معنى الاسم في حق الله : 

الله عليم يعلم ما في السموات السبع والأراضين السبع ومابينهما وماتحت الثرى ومافي قعر البحار، ومنبت كل شعرة، وكل شجرة ، ومسقط كل ورقة ، وعدد الحصى والرمال والتراب،ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفسهم ، ويعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة سبحانه ،والله هو العالم بما كان وبما يكون قبل كونه وبما يكون ولمّا يكن بعدُ قبلَ أن يكون ، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماً بما كان ويكون ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء-سبحانه وتعالى- أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها، دقيقها و جليلها على أتم الإمكان .


وعلمه –جل وعلا- ليس كعلم المخلوقين وهو –سبحانه- يعلم الأشياء على حقائقها بغير استدلال ولا سبب وهو يعلم الغيوب ولا يعلمها إلا الله – عز وجل – وعلمه – سبحانه – علم حقيقة وكمال ، وعلم المخلوقين ينصرف إلى نوع دون نوع ، ويوجد منهم في حال دون حال ، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل ، ويعقب ذكرهم النسيان ، والعليم في أسماء الله أبلغ من العالم ، وقيل العليم يفيد العلم بالغيوب.


والعلام قيل في تعريفه : العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها ، فهو يعلم الموجود ، ويعلم ما هو كائن وأنه إذا كان كيف يكون ، ويعلم ما ليس بكائن لو كان كيف يكون .


فالله – سبحانه وتعالى – هو العليم المحيط علمه بكل شيء؛بالواجبات والممتنعات والممكنات ، ويعلم الممتنعات حال امتناعها ، ويعلم الممكنات وهي التي يجوز وجودها وعدمها ، وما وجد منها وما لم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده ،وعلمه – سبحانه – محيط لا يخلو عن علمه مكان ولازمان ، ويعلم الغيب والشهادة والظواهر والبواطن ، والجلي والخفي ،والله– سبحانه– لا يغفل ولا ينسى ، وعلوم الحقائق على سعتها وتنوعها إذا نسبت إلى علم الله اضمحلت وتلاشت ، وعلمه – سبحانه – قد أحاط بأعمال عباده كلها خيرها وشرها وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار.


قال ابن جرير: إنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن والعالم للغيوب دون جميع خلقك . 


وقال : إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر ، وحق وباطل ، وخير وشر،وما تستجنه ممالم تجنه بعد.


وقال الخطابي: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يُدركها علم الخلق ،كقوله: ((إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم ولذلك قال سبحانه ((وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)).

وقال السعدي : "وهو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان وبالواجبات والمستحيلات والممكنات ، وبالعلم العلوي والسفلي ، وبالماضي والحاضر والمستقبل ، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء .


وهو مانظمه ابن القيم – رحمه الله – في " النونية " : -


وهو العليم أحاط علماً بالــذي في الكون من سرٍّ ومن إعلان


وبكل شيء علمه سبحـــانه فهو المحيط وليس ذا نسـيان 


وكذاك يعلم ما يكون غداً ومـا قد كان والموجود في ذا الآن


وكذاك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذاك الأمر ذا إمـكان


آثار الإيمان بهذه الأسماء "العَلِيمُ- العَالِم- العَلاَّم":


1-إثبات العلم التام الكامل الشامل لله وحده ، ولا يشابهه أحد من مخلوقاته في كمال علمه:


وقد اثبت الله عز وجل لنفسه العلم الكامل الشامل في آيات كثيرة منها قوله تعالى : ((إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً))وقوله: ((وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً)) وقوله : ((وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)) فعند إيماننا بأن الله عليم فأول قضيه هي 


2- سعة علم الله وإحاطته بكل شيء : 



وقد حدّث الله – سبحانه – عباده عن سعة علمه ، وإحاطته بكل شيء ((رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً)) وقال جل وعلا : ((وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)) وقد أخبرنا – تبارك الله وتعالى – عن علمه الواسع الذي أحاط بكل شيء ومن ذلك إحاطته بنا في سرنا وعلانيتنا ((وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ))، وعلمه بما بين أيدينا وما خلفنا ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ))قوله ((بَيْنَ أَيْدِيهِمْ))أي :مستقبلهم،(( وَمَا خَلْفَهُمْ)) أي: ماضيهم، وقال ((قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).


وهو شهيد على كل أعمالنا وأقوالنا ، كما هو عالم بالكون من حولنا : ((وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ))

فوقت قراءتك القرآن يعلم قراءتك ، وأنت تكذب يعلم كذبك ، وأنت تسهر أمام القنوات تقلبها يعلم حالك ، ووقت واستغراقك في أي عمل الله مطلع عليك .


ولا فرق في علم الله بين من أسرّ القول ومن جهر به ، ولا بين المستخفي في ظلمة الليل والمستعلن في ضوء النهار : ((سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ))

فممن تهرب أيها العاصي المسكين؟!، من الله تهرب العالم بكل شيء ، فهذه الآية واعظ قوي للذين يبحثون عن ظلمة الليل ليعصون الله، مسكين يابن آدم سواء أسررت أم أعلنت الله أعلم بحالك )يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ...( قال تعالى: ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ..(

وهو سبحانه أعلم بنا من أنفسنا عندما خلقنا من تراب بخلق أبينا آدم عليه الصلاة والسلام ثم بخلق ذريته من بعده أجنّة في الأرحام كان يعلم أيَّنا من أهل الشقاء، وأيّنا من أهل السعادة ، ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُسري به في ليلة الإسراء في السماء الأولى رجلاً واقفاً إذا نظر قِبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قِبل شماله بكى ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل يا جبريل ؟ فقال هذا آدم و النسم الذي عن يمينه هم ذريته من أهل السعادة،والنسم الذين عن شماله هم ذريته من أهل النار ، فقد كان سبحانه عليم بنا قبل أن يخلقنا في بطون أمهاتنا.


) هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى(.

وعِلم الله في كل مكان، فلا يغيب عنه شيء، فإذا تناجى المتناجون فإنه معهم قل أو كثر عددهم )أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( وقال سبحانه: ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(

والله يعلم كل حركة في البر أو البحر، فما من ورقة تسقط من شجرة، أو حبة تندثر في الرمال أو نبتة تشق الأرض، أو نبتة تيبس أو تموت إلا وعلم الله بها محيط، ) وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ(.


وهذه الأعداد من الدواب التي لا حصر لها لا يخفى عليه منها شيء ) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ(.

وانظر -أخي وفقك الله- إلى علم الله تعالى الذي لا تفلت منه ذرة في السماوات و لا في الأرض ) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(.

والله جل و علا يريد منّا أن ننظر في الكون نظر معتبر لنعلم أن علمه قد أحاط بكل شيء )اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً(.


وقال تبارك وتعالى: )ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(.

وأمرنا – سبحانه وتعالى- بأن نعلم بأن الله يعلم ما في أنفسنا، فانظر إلى قلبك دائماً واجعل منك رقيباً عليه فالله مطلع على السرائر كما هو مطلع على العلانية قال تعالى: )وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ...(.

احذرك عند كتمانك شيء في نفسك أو عند اجتماع الفساد في قلبك احذر وتذكر قوله تعالى : ) وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ...(.


إذن أول أثر مسلكي إثبات العلم الكامل الشامل، كل ما أتت آية فيها إخبار بعلم الله ارع سمعك وفقك الله لها، وانتبه إلى ما الذي يعلمه سبحانه وتعالى، واحذر أن يراك فيما لا يحب، أو أن يعلم عنك مالا يحب .وإذا آمن العبد بأن الله عالم به، مطلع عليه لا يخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء، وأن الله يعلم سره ونجواه، فإن ذلك سيدفعه بلا شك إلى الاستقامة على أمر الله، والبعد عن معصيته، وهذا هو الإحسان، فالإحسان كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".


فمن علم أن جبّار السماوات والأرض عالم به مراقب له، كان ذلك أعظم زاجر عن ترك فرائضه، وارتكاب محظوراته ومحارمه.


3- إن الله سبحانه لكمال علمه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.


ومن علم الله العلم السابق، وقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمتهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأُمة، وخالفهم مجوس الأُمة، وكتابته السابقة – تدل على علمه به- قبل كونها.


وقد قال الله تعالى : ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ( قال مجاهد :" علم من إبليس المعصية وخلقه لها" ، وقال قتادة:" كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وأقوام صالحون و ساكنوا الجنة".


ودليله أيضاً قوله تعالى: ) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ..(


قال ابن عباس:" علم ما سيكون قبل أن يخلقه" وقال أيضاً:" على علم قد سبق عنده" وقال:" يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب" وقال سعيد بن جبير ومقاتل:" على علمه فيه" وقال أبو اسحاق :" أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه". وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين.


ومعنى الآية: أضله الله عالماً به و بأقواله، وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال وليس أهلاً أن يهدي، وأنه لو هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند من لا يستحقه. والرب تبارك وتعالى حكيم:" إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها، فانتظمت الآية على هذا في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأُمور ووضع الشيء في مواضعه، وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه من لا يستحقه، فإن هذا لا يحصل بدون العلم، وهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه، وهو سبحانه كثيراً ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال: ) فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ . الآية( قال تعالى:) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ( وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ويشكرون الله عليها، بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية،


" فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم، تعرفون قدر نعمتي وتشكرونني عليها، وتذكرونني بها وتخضعون لي كخضوعهم، وتحبونني كحبهم، لمننت عليكم كما مننت عليهم، ولكن منتي ونعمي لا تليق إلا بأهلها الشاكرين ) أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ(.



وقال تعالى: )اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ( وقال جل وعلا: ) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( بل في دعاء الاستخارة دليل كمال علمه سبحانه: وهو عبارة عن تسليم وتفويض أمرك لله للعالم سبحانه وتعالى، يقول ابن القيم:" لما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة وقدرته عليه وتيسيره له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم، وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد إقداره، أرشده النبي r إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأُمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه فإن لم يقدره وإلا فهو عاجز وطلب فضله منه، فإن لم ييسره له ويهيئه له، وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته، ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبعثه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدره زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه، فيظل ساخطاً، ويكون قد خار الله له فيه، قال الحسن:" لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تؤثره فيه عطبك".


ولكن للأسف فأكثر الناس عند حدوث المقدور بعد الاستخارة على خلاف مايحب لا يرضى، والمقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده.فمادام أنك قلت في استخارتك"إن كنت تعلم أنه شرٌ لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقسم لي الخير حيث كان ثم رضّني به"فما قُسم لك هو خير حتى لو لم تحبه ، ولكن عليك الرضا به واعلم أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ليطمئن العبد لكل ما قدره الله جل وعلا: ) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(.


4- خالف في إثبات علم الله سبحانه غُلاة القدرية فنفوا علمه، وقالوا: لاقدر والأمر أُنف.


و مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربعة:-


الأول: العلم الثانية: الكتابة


الثالث: الإرادة والمشيئة الرابع: الخلق.


فقبل خروج الخلق إلى الوجود، عَلِم الله وجودهم وصلاحهم وفسادهم، وكتب ذلك عنده في كتاب، ثم شاء وأراد أن يكونون ثم خلقهم.


غُلاة القدرية الذين كفرهم أهل السنة والجماعة ينفون مرتبة العلم والكتابة، وهؤلاء يقول عنهم الشافعي: خاصموا القدرية بالعلم، فإن أقروه فقد خُصموا، وإن أنكروه فقد كفروا.وقد كفّرهم أهل السنة والجماعة ؛ لأنهم وصفوا الرب سبحانه العالم بكل شيء بالجهل، وقد ردّ عليهم ابن عمر، وخرجوا في أواخر عصر الصحابة وكانوا يقولون: لاقدر والأمر أُنف، ومعنى قول القدرية أن الأمر أّنف أي: مستأنف لم يسبق فيه قدر، ولا علم من الله تعالى ، وإنما يعلمه بعد وقوعه،أي أن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك ، فعلمه بعدما فعلوه. 


وهؤلاء يُرد عليهم بالقرآن وصحيح السنة.


5- إن الخلق لا يحيطون علماً بالخالق :


أي : لا يعلمون شيئاً من ذاته وصفاته إلا ما أطلعهم الله سبحانه عليه ، عن طريق رسله وكتبه المنزلة قال تعالى : ((وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء)) وقال سبحانه ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)).


وسبق أن ذكرنا في الدروس الأولى أن أسماء الله تسعة وتسعون اسماً ، كما ورد في حديث أبي هريرة t قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحدة لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر)).وفي رواية " من أحصاها دخل الجنّة".


v هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد أو أنها أكثر من ذلك ، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة ؟


ذهب جمهور العلماء إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، وقال : ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث : أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء.


وقال أبو سليمان الخطابي: " إنما هو بمنزلة قولك إن لزيد ألف درهم أعدّها للصدقة، وكقولك : إن لعمرو مائة ثوبٍ من زاره خلعها عليه ، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب ، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم ، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب".


والذي يدل على صحة هذا التأويل حديث عبدالله بن مسعود وقد ذكره محمد بن إسحاق ابن خزيمة في المأثور:


"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: " اللهم إني عبدك ، ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حُكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك...الخ"فهذا يدل على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه ، حجبها عن خلقه ، ولم يظهرها لهم "


أعلى