الوالي الأقرع

الموضوع في ',, البُريمِي لِلقِصَص والرِوَايات ,,' بواسطة بيت حميد, بتاريخ ‏16 ديسمبر 2011.

  1. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    كان يا ما كان في قريب العهد والزمان، كان هناك والي طيب القلب،لكنه كان أقرع، وكان يخجل من قرعه، حتى عندما ينام لا يخلع عمامته، ويستحم وهو مغمض العينين لكي لا تقع عينه على صلعته في مرآة الحمام، وعندما يغسل رأسه يغسله بسرعة خاطفة لكي لا يحس بقرعته الملساء.

    سأصارحكم......لكنه كلام بيني وبينكم....أنا هو ذلك الوالي......لكني سأكمل الحكاية بضمير الغائب، لأن كثير من المواقف مخجلة ومحرجة ولن تطاوعني نفسي أن أحكيها بضمير المتكلم.
    ولكي تقدروا موقفي وتعذرونني هاكم أحد تلك المواقف، أقنعني ذلك الـ....... لا أعرف كيف أصفه...المهم أن اسمه حمد ، وستعرفونه فيما بعد، أقنعني أن طبيباً يعمل في المستشفى قادر على علاجي من الصلع، وأنه اتفق معه على معاملتي بسرية تامة، وفي الموعد المحدد ذهبت للمستشفى، وما إن دخلت على الطبيب حتى أدخلني إحدى غرف التمريض وأقفل عليّ الباب......طمأنني أن الأمر سيكون سراً ولن يعرفه أحد

    -سعادة الوالي، لا تقلق....الأمر سيكون سري للغاية، كما تعرف سعادتك فقد أقسمت كطبيب على حفظ خصوصية المرضى.
    -ثقتي فيك كبيرة أيها الطبيب.
    -حسناً يا سعادة الوالي، لن يستغرق الأمر أكثر من دقيقة واحدة وبعدها لن تحتاج للمراجعة سوى مرة واحدة فقط.
    -هل حقاً ما تقوله ....... هل الأمر بهذه البساطة؟!!؟
    -طبعاً.... لدينا ممرض مختص وخبير بهذا الأمر وهو من سيقوم بالعملية، لقد وافق على الحضور خصيصاً لك رغم أنه في إجازة.
    -أنا شديد الامتنان لك أيها الطبيب.

    ثوانٍ قليلة ودخل ذلك الممرض يحمل في يديه ما بدا لي كأنها عدة جراحة، حسبت أنهم سيأخذون بعض الشعر من جوانب رأسي ليزرعونه في وسطه.......لم تعجبني نظرات الممرض ولا خطواته المتمايلة، .....خرج الطبيب وهو يؤكد لي أنه سيعود ليتأكد أن كل شيء على ما يرام، أقفل الممرض الباب وهو يصدر صوتاً غريباً من فمه ويثني رقبته......التفت لي وسمر عينيه في عيني.....ثم نقل بصره بسرعة إلى أسفل بطني......نظرت إلى حيث كان ينظر فلم أجد شيئاً غريباً، وقبل أن يرتد بصري له قال

    -ارفع...
    - أرفع العمامة؟
    -العمامة؟؟؟!!!......لا...ارفع من تحت.
    -ولماذا من تحت؟!؟!......أليس العلاج من الرأس؟!؟
    -نعم العلاج من الرأس، لكن لا بد أن ترفع ثيابك.....وإلا كيف سنصل للرأس.
    -وما دخل ثيابي من تحت؟!.....هذا رأسي عندك.
    -سعادة الوالي...لا داعي للخوف، العملية بسيطة للغاية.
    -أنا لست خائفاً.
    -إذن لماذا لا تريد أن ترفع ثيابك؟
    -وما دخل علاج رأسي بثيابي من تحت؟
    -سعادتك لست طفلاً صغيراً......هيا هيا ولا تخف، أنا خبير بهذه الأمور وقد فعلتها لكثيرين من قبل...لن تحس إلا بألم بسيط؟!
    -قلت لك أني لست خائف، لكني مازلت لم أفهم لماذا تريدني أن أرفع ثيابي من تحت!!!.
    -كيف تريدني أن أختنك إذن!!!!! ....من وراء الثياب!!!!!!.
    -تختنني.....ماذا!!!!...ومن قال لك أني هنا أريد الختانة.....هل تراني طفلاً في المهد!!!.
    -لا تغضب مني يا سعادة الوالي، هذا ما أخبرنا به منسق مكتبكم، وقد ترجاني أنا بالذات لأختنك......

    هل رأيتم بالله عليكم كيف ورطني ذلك الإبليس، والي بشحمه ولحمه وقد تعدى عتبة الأربعين يذهب ليختتن!!!! لا أقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل......ذلك الموقف يسبب لي حتى الآن لوعة لا تطاق.

    السبب الآخر الذي يدعوني لسرد الأحداث بصيغة الغائب هو رغبتي بنقل الصورة بشكل محايد، لا أريد أن أفرض وجهة نظري عليكم، هذا مع يقيني الراسخ أني على صواب، على كل حال هيا إلى الحكاية.
     
  2. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    انتقل الوالي لولاية جديدة بعد أن ترك أثراً طيباً في الولاية السابقة، سبقته سمعته الحسنة وذكر منبته الطيب، وما إن حل بمكتبه الجديد حتى استبشر الناس، وتوافدوا عليه مهنئين، يهنئون أنفسهم به ، فهو كما قالوا "رجله خضراء"، لم يحل بولاية حتى عم فيها الخير.

    منذ الأيام الأولى بدأ الوالي بتفقد شئون الولاية، لم يفته حفل زواج ولا خيمة عزاء ولا دعوة داع، تعرف على الأعيان والتجار، عرف القبائل والعائلات.......وهكذا كانت الأمور مستقرة .......لكن دوام الحال من المحال، وكم من الخيرين يبني لسنين طويلة فيأتي الأشرار ليهدموا المبنى.......ظهر بإحدى الولايات جماعة من الرعاع، غوغاء لا يهتدون سبيلا، أحداث أسنان وعقول، غرتهم أحلام الرجال عليهم فتمادوا، وقلدهم أشباههم في أرجاء البلد، أحرقوا ونهبوا وقطعوا السبيل، روعوا الآمنين في بيوتهم وفجعوا أصحاب الأموال في أموالهم........ لم يدخر الوالي جهداً في نصحهم وإرشادهم، ولما أبوا سبيل الرشاد أنذرهم بالويل والمحن، فلا هيبة فوق الدولة.......لكن الأمر جاء على خلاف هواه، وحصل أولئك الرعاع على بعض مرادهم، وكان منهم شابٌ اسمه حمد، كان يطلب وظيفة، ومن سوء حظ الوالي أن توظف حمد بمكتبه ، لكنه وضع نفسه منه بمنزلة الأب، وخطط له ليتدرج به في العمل حتى يصل به للوظيفة التي عين عليها في الأصل، لقد أدرك أنه لا يمكن أن يأتي شاب من الشارع ليمارس مهنة منسق، وكونه خريج "سفلسة" فإن إعداده سيتطلب وقتاً طويلاً.
    في أول يوم باشر حمد عمله أبلغه الوالي أنهم بحاجة ماسة لمن يحل محل أحد العساكر على البوابة.......لم يمانع أبداً، بل أظهر الفرح الشديد......لم يكن الوالي المسكين يعلم مدى مكر ذلك الحمد.

    وباشر حمد عمله على البوابة، لكن توالت الأخبار عن شيء غريب، كان كلما جاء أحد للوالي يسأله باستغراب عن سر سعفة النخيل التي يمسكها الحارس بدل البندقية التقليدية، استدعى الوالي حمد ولما دخل عليه كان مايزال يحمل السعفة
    -لماذا تحمل هذه السعفة؟ أين البندقية؟
    -سعادة الوالي....أنا لا خبرة لي بالسلاح، لذلك تراني أحملها بدل البندقية.
    -هل تحسب نفسك طفلاً تلعب في الحارة والسكك، أفق من طفولتك.....هذا عمل....تعلم أن تكون جاداً.
     
  3. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    لم يجب حمد بشيء ، وقرر الوالي أنه لا يصلح للوقوف على البوابة ولابد من وضعه في مكان آخر.....وهذه المرة تجلت رحمة الوالي وعطفه فأوكل إليه مهمة السائق الخاص، وليته لم يفعل......لقد وقعت ابنته في حب حمد، لم يكن الوالي المسكين يعلم بذلك، واستمر يرسله ليذهب بابنته عائشة للجامعة ويأتي بها، وما درى أنه يسمم أفكارها بكلام المجانين.......أول أعراض الجنون التي ظهرت على عائشة كانت رفضها استخدام الدفاتر والأوراق التي تحمل شعار مكتب الوالي، وطلبت من أبيها الوالي أن تشتري دفاتر من المكتبة على ذوقها.......

    -أبي...هذه الدفاتر والأوراق والأقلام كلها عليها شعار وزارة الداخلية....لا أريدها، أريد أن أشتري أشياء تناسب ذوقي.
    -ذوقك!!! الدفاتر والأقلام للكتابة وليست للأكل يا عائشة.
    -أبي أعرف ذلك.......كنت أقصد أنها لا تناسب شخصيتي كأنثى.
    -شخصيتك!؟!؟!..... هذا كلام غريب.......تعالي يا أم عائشة اسمعي ابنتك ماذا تقول، تقول شخصيتها!!!!.
    -إنها ترى زميلاتها ...... لديهن الدفاتر الجميلة والأقلام الملونة.....لقد أخبرتني من قبل.....ليس في الأمر ما يعيب، دعها تشتري ما تشاء.

    وهكذا بدأت الأفكار المجنونة تتسرب لعقل تلك الفتاة الطيبة دون أن يفطن الوالي لمصدرها، لكنه بعد حين خمّن أن تصرف ابنته الجديد له علاقة بحمد. ذات يوم كان المنسق غائباً، طلب الوالي من حمد أن يطبع رسالة استدعاء لأحد المواطنين، وحين أوصل الساعي الرسالة للوالي وقرأها.......أصابه الفزع.......تعرقت جبهته واحمرت وجنتاه...........لم تصدق عيناه ما رأت......لقد غير حمد بعض الكلمات
    -حمد.....ما هذا؟.....هل غيرت الكلمات عن عمد؟
    -نعم يا سعادة الوالي.
    -ومن قال لك أن تغير شيئاً أنت لاتفقه فيه؟.....فقط غير الإسم والباقي يبقى كما هو.
    -لم أفعل سوى تصحيح الأخطاء اللغوية.
    -تصحح!!!....أنت لم تحسن الإمساك ببندقية قديمة وتريد أن تصحح لغة.
    -اللغة ذراع العقل، والبندقية ذراع الجنون...........لاعلاقة بينهما.
    -وأنت ليس لك عقل، وحتى الجنون كثير عليك.
    -أيها الوالي....هل تعرف ما يميز الجاهل عن غيره......إنه لا يعرف أنه يجهل ويظن جهله علماً.
    -حسناً أنك اعترفت بجهلك.... عد واطبع الاستدعاء كما كان وسأنسى الأمر.
    -لن أفعل.
    -بل ستفعل.
    -لن أفعل.
    -بل ستفعل رغماً عن أنفك.
     
  4. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    هاج الوالي وأرغى وأزبد، ولبسته جنية جدته التي انتقلت له بعد وفاتها، فأخذته رجفة عنيفة، وسقطت العمامة......وبان المستور......لكن حمد واصل حديثة
    -لن أفعل ولو نبت الشعر على صلعتك .
    عندها انتبه الوالي وأفاق من سكرة الغضب، تحسس رأسه فوجده أرضاً جدباء، انكب يبحث عن عمامته تحت المكتب.....أرعبته صورته التي يتخيلها عن نفسه وهو بدون عمامة.....أبله وبدين....تنقصه مصاصة أطفال لتكتمل الصورة.....وجد العمامة خلف الكرسي....وضعها وهو يتمنى أن يخرج عنه ذلك المجنون ليستجمع نفسه......لكنه لم يفعل، بل استغل الموقف ليخدع الوالي الطيب ويسخر منه
    -سعادة الوالي.....لماذا لا تعالج رأسك؟!........هكذا تبدو كالأبله....فقط ينقصك مصاصة أطفال.
    لقد أصاب الوالي في مقتله، من هذه النقطة لا يملك أي مقاومة......سكت للحظة....ثم قال
    -هل عندك علاج يا حمد؟
    -أعرف طبيباً لديه علاج مجرب، وهو صديقي.....سيتعامل معك بسرية تامة......أنا أعرف كم يزعجك الأمر.....ليس عليك أن تبقى هكذا طوال عمرك.
    -حمد ....هل ما تقوله حقّ......منذ أن رأيتك أحببتك، ولهذا استأمنتك على ابنتي......قل لي من هذا الطبيب.
    -الطبيب سيكون بانتظارك غداً إن أردت......بمناسبة ذكر ابنتك عائشة، هل اشتريت لها الدفاتر والأقلام.
    -ومادخلك أنت بدفاترها وأقلامها......أخشى أن تسألني غداً عن ثيابها، أنت توصلها للجامعة بدون أن تتدخل في شيء......بمناسبة ذكرك للطبيب، سأذهب له غداً، لكن أرجوك، الذي رأيته قبل قليل سر بيني وبينك.

    وهكذا ذهب الوالي لمقابلة الطبيب ووقع في ذلك الفخ الذي أخبركم عنه بنفسه. لم يستطع النوم ليلتها بسبب غيظه، كان كلما وضع رأسه للنوم أتاه خيال ذلك الممرض، ثم يتخيل نفسه يعود للبيت وهو مختون.....وكأن عقرباً تلدغه فيقفز من فراشه إلى دورة المياه، يتأكد أنها مجرد خيالات ويعود لفراشه.....وهكذا قضى المسكين ليلته بين دورة المياه التي يلعن فيها حمد والفراش الذي يتوعده عليه بالويل والثبور.
    في الصباح كان فؤاده يشتعل ناراً، ويتخير من ألوان العذاب التي يجب أن يذوقها ذلك المتمرد جراء فعلته الخسيسة، قبل أن يخرج من البيت اتصل بعساكر البوابة وطلب منهم أن يحتجزوا حمد بمجرد وصوله في غرفة الحرس وأن يمنعو عنه الطعام والشراب، ثم نادى على ابنته عائشة ليوصلها للجامعة
    -لماذا ستوصلني أنت يا أبي؟.....أين حمد؟
    -تعنين ذلك العاق!؟!؟.....لا تذكري لي اسمه بعد اليوم.
    -لماذا يا أبي؟ هل أنت غاضب منه؟.....إنه يحبك جداً، لقد قال لي بالأمس أنه سيكلم الطبيب من أجلك.......إنه مؤدب ولطيف.
    -بل غير مؤدب وغير....!!!....ماذا قلتِ؟....لطيف!!!.....إياك أن تسلطفي أحداً بعد اليوم حتى أخبرك بذلك.
    -ماذا ستفعل معه يا أبي؟......أرجوك لا تؤذيه.....إنه فقير وطيب و........لطيف.
    -لطيف مرة أخرى!!!.....الحقي علي يا أم عائشة......ابنتك تستلطف....وتستلطف من!!!.....تستلطف ذلك المجنون.
     
  5. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    -ماذا بك يا زوجي العزيز؟...عائشة لم تقل إلا أنه لطيف.
    -وأنتِ أيضاً....لطيف....لطيف.....أشعر بجنية جدتي امممممم....بووووووو.......أسرعي علي بالبطانيات فقد وصلت....برررررر....
    -أسرعي يا عائشة وهاتي البطانيات وغطي أباك حتى يهدأ وتذهب عنه الجنية، كم مرة قلت لك أن لا تغضبيه.....عندما يغضب تأتيه فيبربر هكذا.

    المهم يا سادة ياكرام أن الوالي أوصل ابنته للجامعة بعد أن أفاق من لبس الجنية، وكانت عيناها تقطران دمعاً رقيقاً من شفقتها على حمد وخوفاً عليه من أبيها، وأما أبوها فقد كان يتحرق للوصول للمكتب ليريه عاقبة استهزائه بالرجال.....تخيل نفسه وهو يجلس خلف مكتبه وقد بدا الغضب ناراً من عينيه.....ثم يدخل العساكر وهم يجرون حمد مقيداً حتى يرمونه أمامه.....سيقوم له بالعصا.....سيرفع العساكر رجليه المقيدة في الهواء.....سيضربه بكل عنف وقسوة وهو يقول له "ذق...ذق".....وحمد يسترحم ويترجى ويعلن التوبة.....لكنه لن يرحمه.
    في غمرة خيالاته تلك كاد أن يدهس العسكري الذي وقف بالبوابة يؤدي له التحية، دخل الوالي مكتبه واتخذ الوضعية التي تخيلها واستعد، وقبل أن يرفع السماعة ليأمر العسكر بإحضار حمد دخل عليه المنسق وهو يلهث والدهشة تعلو ملامحه، لم يقف حتى ألصق وجهه بوجه الوالي وقال
    -سعادة الوالي........مركز الفنون التشكيلية الذي كان من المفترض أن يفتتحه وزير الديوان هذا المساء.
    - ماذا به.....احترق؟....لقد سمعت صفارات الإطفاء هذا الصباح، ليذهب إلى الجحيم، ذلك من عمل الشيطان والذي فيه شياطين!؟
    -لا ليس الأمر كذلك يا سعادة الوالي، وزير الديوان اعتذر عن الحضور واتصل مدير مكتبه لتحل أنت محله....فرصة ذهبية....ستلقي كلمة وستظهر في وسائل الإعلام.
    -ماذا قلت؟!؟!.....أنا سأحل محل وزير الديوان!، وهذا المساء!، وسألقي كلمة!.....وسأظهر في التلفزيون!.....مرحا مرحا........لكن ماذا سأقول في الكلمة؟....هل عندك كلمة عن الفنون التشكيلية.
    -لا يا سعادة الوالي، إنه أول مركز من هذا النوع في الولاية.
    -هذه لا يقدر عليها إلا ذلك الإبليس حمد.....اسمع أيها المنسق، أخبر العساكر ليخرجوا حمد من الغرفة ويبلغوه أني أريد رؤيته وارسل أحداً بالتمر والقهوة.
    جاء حمد للوالي، لم يبدُ عليه التذمر فهو ماكر كالعادة، رحب به الوالي واعتذر له عن احتجازه بالغرفة، ولكي لا يجرح شعوره أخبره بأن العساكر لم يفهموا مقالته
    -لقد أردت أن أريحك من توصيل ابنتي اليوم.
    -لكنك حرمتني من إفطاري الذي عودتني عليه عائشة.
    -أهلاً....أهلاً....وهي تحمل لك الإفطار كل يوم!!؟؟.
    -قلبها رقيق وعطوف.....سبحان الذي يخرج الحي من الميّت!
    -رقّت عظامك وعطفت عليك شاحنة لا تبقي لك باقية......بقي أن تتغزل بها أمامي أيها الصعلوك.
    -أنا لم أقل ما يشينها.
     
  6. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    -دعنا من هذا الآن.....أريد منك شيئاً في خدمة الوطن، الليلة سأفتتح مركز الفنون التشكيلية وأريد منك أن تكتب لي كلمة الإفتتاح.
    -فنون تشكيلية!!!!؟؟؟ من الذي ورطك في هذا الأمر؟.....أخشى أنه يريد السخرية منك.
    -بالعكس يا حمد، أنا مهتم بالفنون منذ نعومة أظفاري.
    -خوفك من صلعتك يقول غير ذلك.
    -وما دخل صلعتي بالفنون يا جاهل.
    -أعذرني لا أريد أن أقول شيئاً يغضبك.
    -عرفت ماذا تقصد......تريدني أن أكون مثل الرسامين القذرين منكوشي الرؤوس، ماعلينا ....الآن أريدك أن تكتب لي الكلمة وأن تضع فيها من الكلمات الفنية والتشكيلية والمنكوشة، أريد من يسمعها أن يعرف أني حجة في الفن.
    -سأفعل ولكني جائع.....لم أتناول فطوري اليوم.......وقد تعودت على الشطائر التي تأتي بها عائشة.....دعني أذهب لآخذ فطوري من عندها ثم أعود وأكتب لك ما تريد.
    كانت معنويات الوالي في أعلاها وهو ينتظر من حمد أن يفرغ من كتابة الكلمة، وعندما أحضرها طلب منه الإنصراف وأقفل على نفسه الباب ليتدرب عليها.........لم يستطع مقاومة أن يسبح في خياله، رأى نفسه وقد اعتلى منصة إلقاء الكلمة.....أضواء كثيرة مسلطة عليه، ابتسامته تخطف الأبصار ويوزعها يميناً وشمالاً، وجهه يلمع، ترف جفونه مع أضواء التصوير، كل العيون متعلقة به.......سيبدأ

    السلام عليكم
    أخواني الفنانين، أيها الحضور الكريم
    الفن هو تجلي الروح، ولذلك لا يقبل التجزئة، ولايقبل المشاركة، الإبداعات دوماً متفردة ، تتجلى فيها روح إنسان واحد، تعجز كل الكلمات عن حمل المعاني الروحية، ولذلك حاول الإنسان منذ القدم إيجاد وسيلة أخرى يعبر بها عن تلك المعاني.
    وتلك حالة الفن أيها الإخوة، فإنه لا يقبل التوجيه، ولا التأطير، ولا التقنين.....إنه لا يقبل غير الحرية، ولا يزدهر إلا بالحرية، ولا ....

    هنا توقف الوالي عن القراءة، لقد افتقد شيئاً مهماً، ليس هناك ثناء ولا شكر ولا عرفان، استدعى حمد لينبهه
    -حمد.....ما هذا؟!.....أين الشكر والعرفان والتمجيد.
    -إنها في آخر الكلمة.
    -ويلك ثم ويلك......يجب أن تتخلل الكلام.....كل الكلام، كل جملتين أو ثلاث.
    -لكنها ستكون مملة!!!.
    -لا يهم يا جاهل.....وهل أنا ألقي الكلمة لأولئك الأغبياء الذين يلعبون بالأصباغ طول النهار.
    -لمن تلقيها إذن يا سعادة الوالي؟!؟!.
     
  7. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    -لا تجادلني.......عد واكتب كما قلت لك.
    -لا أعرف.....يمكنك أن تطلب من غيري.
    -ستتعلم رغم أنفك وستكتب.
    -لن أكتب.......وأنصحك بالهدوء لألا تأتيك جنية جدتك ويصيبك الزلزال وتسقط عمامتك ....إني ذاهب لأحضر عائشة من الجامعة فقد حان موعد خروجها.
    -لا.....أنا سأحضر ابنتي بنفسي.
    -أرجوك يا سعادة الوالي.....أنت أوصلتها في الصباح، دعني أحضرها أنا.
    -الآن تترجاني.....هل ستكتب أم أذهب بنفسي لاحضر ابنتي.
    -لن أكتب.
    وخرج حمد مسرعاً من المكتب، نظر الوالي من النافذة فرآه يعدو باتجاه السيارة، أدرك أنه سيذهب لعائشة، خرج هو أيضاً يعدو من مكتبه وسط ذهول الموظفين والمراجعين، كان عنيفاً في رجوعه بالسيارة للخلف، وأعنف في انطلاقته خارج بوابة المكتب، اضطر لفرملة السيارة بشدة عند دخوله للشارع العام ليتحاشى الدخول أمام شاحنة عابرة، لوح له سائق الشاحنة غاضباً ومستهجناً وزمّر له مطولاً، ثم انطلق بما يمكنه من سرعة آملاً أن يدرك حمد قبل أن يأخذ عائشة.........وهو يدخل من بوابة الجامعة كان حمد يخرج وعائشة تركب في الكرسي الخلفي، استدار في المنعطف وانطلق خلفهما، عدة مرات استطاع أن يقترب من سيارتهما ويطلق منبه السيارة طالباً منهما التوقف، لكنهما كانا يتجاهلانه......كادت جنيته أن تنزل به من شدة الغيظ والقهر، لم يتوقفا حتى وصلا أمام البيت، وهناك نزل الوالي وهو ينوي أن يمسك حمد برقبته ولايتركه حتى يشرف على الهلاك.
    نزلت عائشة وقد أشرق وجهها، وما إن رأت أباها حتى قالت بدهشة
    -أبي.....كانوا يذكرونك في البرنامج الإذاعي قبل قليل ويقولون أنك ستفتتح مركز الفنون هذه الليلة.....هل هذا صحيح يا أبي.
    -حقاً ما تقولين!!!..تكلموا عني بالاسم.....نعم نعم يا ابنتي، أنا سأفتتح المركز بدلاً عن وزير الديوان......كما تعرفين فأبوك مثقف معروف ولي بعض الإهتمامات الفنية.......لكن هذا الموظف العاق يرفض أن يكتب لي كلمة الإفتتاح.
    وهنا نزل حمد من السيارة بعد أن تأكد من هدوء ثورة الوالي.
    -حمد....لماذا لا تكتب كلمة الإفتتاح لأبي؟.....اعلم أن قدر أبي من قدري عندك.
    -يا أهلاً .....أصبح قدري وأنا الوالي من قدر ابنتي.....وعند من؟!؟!....عند صعلوك!!!....هيا أدخلي عند أمك، وأنت اغرب عن وجهي ولا أريد منك أي شيء.
    وهكذا ذهب حمد، ودخل الوالي خلف ابنته للبيت، لكنه ظل مهموماً، بقي عن موعد حفل الافتتاح عدة ساعات فقط، كان يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً....وإذا بعائشة تطرق عليه الباب
    -نعم ....ماذا تريدين؟
    -أبي عندي لك رأي بخصوص الكلمة الافتتاحية.....هات الكلمة التي كتبها حمد وسأضيف فيها العبارات التي تريدها...
    أنتِ أجمل إبنة في الدنيا....لماذا لم يخطر لي هذا من قبل.
    -هل تقصد أنه لم يخطر لك أني جميلة أم ماذا.
     
  8. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    -لا .... أقصد لم يخطر لي أن أستعين بك....لكني مازلت غاضباً منك بسبب ذلك الصعلوك.....إنك تلاطفينه أكثر مما ينبغي
    -أبي إنه فقير ويستحق العطف، كما أني معجبة جداً بآراءه.
    -يا ويلي ويا ويل أمك......ومتى تبادلتِ معه الآراء!!......وأعجبت بها أيضاً!!.
    -أبي لا تحرف مسار الموضوع، أردت أن أشرح لك وجهة نظره لكي تفهمه وتفهم تصرفاته.
    -وهل أنا بحاجة لفهم آراء مثل هذا الصعلوك؟!!؟ هذا إن كان لديه رأي في الأصل.
    -بالطبع لديه أراء يا أبي، وأنت بحاجة لمعرفتها لأنك ستتعامل معه.
    -هيا أتحفيني....ماذا يقول ذلك.....
    -أولاً هاك الكلمة يا أبي العزيز، لقد انتهيت من تعديلها......بالنسبة لحمد يا أبي، قد يستطيع هو أن يتكلم عن نفسه خير مني لكني سأحاول شرح وجهة نظره، إنه يعتبر أن إنسانيته تحتم عليه أن يكون حراً ، وأن لا يكون جزءاً من شيء ينتمي لإنسان آخر.
    -هه......وهل هناك من اعترض على إنسانيته.....صدقيني يا ابنتي، هو عاق متمرد، لا يغرنك بمعسول كلامه....هيا أخبريني ماذا يقول لك.
    -أبي من الخير لك أن تستعد للافتتاح، لم يبقَ غير ساعتين، سأنتظر مشاهدتك في التلفزيون....إلا إذا أخبرت حمد ليأخذني لأحضر معكم.
    -أخذته داهية لا ترده.
    -أبي أرجوك لا تدعوا عليه.
    -هيا اخرجي عني وأخبري أمك أني أريد التفاهم معها.
    نادت البنت على أمها وذهبت لغرفتها، كان الوالي قد بدأ يخاف على ابنته من ذلك المتمرد حمد
    -نعم يا أبا عائشة ماذا تريد؟.
    -هل أخبرتك ابنتك بشيء عن ذلك الصعلوك حمد، إني أراها شيدة التعاطف معه.
    -لا لم تخبرني، في الأيام الأولى التي أوصلها للجامعة كنت أذهب معها كما تعرف، وكان حمد مؤدباً، حتى أنه لا ينظر في مرآة السيارة مطلقاً، ثم أنك تعرف ابنتك منذ صغرها رقيقة وحساسة.....ربما لهذا السبب تتعاطف معه.
     
  9. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    طابت نفس الوالي واطمأن، واستعد للذهاب، لم يكن يدري ما ينتظره، ولو كان يدري ما ذهب......وصل الوالي لمقر المركز حيث كان الجمع بالانتظار، وخلال التقديم الذي سبق كلمة الوالي ألمح مقدم الحفل إلى أن هناك مفاجأة تنتظر الحضور في المعرض، ثم قدم الوالي ليلقي كلمته وأثنى عليه لحبه للفن وللفنانين.
    ألقى الوالي كلمته التي فاجأت الحضور ببعض جوانبها، وبعدها التف حوله لفيف من الحضور يشكرونه على عمق مقالته التي بينت كما قالوا حبه للثقافة والفن. كان يشعر بالفخر والرفعة والناس تحف به منتظرة أن يأخذ بيده الكريمة المقص ويقطع الشريط.....وهاقد فعل....وصفق الجمهور...وأشار لهم ليدخلوا.....وهنا تقدم مدير المركز ليأخذهم في جولة على الأعمال الفنية، وفي نهاية الجولة أعلن لهم أنه سيكشف عن المفاجأة.....أخذهم إلى لوحة كبيرة مغطاة قد أفردت لها ساحة كبيرة في وسط القاعة، وقف أمامها يخاطب الوالي وكل الحضور
    -قد لا تعلمون أيها السادة أن سعادة الوالي هو فنان حقيقي....إنه فنان بمعنى الكلمة، وهو من أتباع المدرسة التعبيرية في الفن.
    كان الوالي حينها مبتهجاً بنظرات الإعجاب، ولم يلقِ بالاً لما يقوله مدير المركز بسبب الزحام الشديد حوله، ثم جاءت المصيبة، أعلنها مدير المركز بأعلى صوته
    -والآن نقدم لكم نجمة المعرض الفني، إنها لوحة من رسم سعادة الوالي.
    وأزاح الستار عن اللوحة......وتسمرت العيون فيها....لقد كانت لوحة لرجل أقرع أهبل في فمه مصاصة أطفال......لا يخطئ من يدقق بها الشبه بين الوالي والوجه الذي باللوحة.............توقفت أنفاس الوالي المسكين، وتسمرت رجلاه....حتى العرق تجمد على وجهه من هول ما رأى.....هو بقرعته وأمام الناس والمصورين.....اندفع الناس من حوله نحو اللوحة معجبين بها، وأما هو فقد أحس أن رأسه قد خلا من الدم....ثم صدره...ثم قدميه.....ثم أغمي عليه وانهار وحمل للمستشفى.......وعندما أفاق كانت زوجته وابنته عند رأسه، وحمد عند قدميه، تحسس رأسه ليتأكد أن العمامة تغطي رأسه، ثم بحث عن شيء يرمي به حمد، لم يجد بقربه شيئاً فحاول القيام ليهجم عليه، استطاعت زوجته وابنته الإمساك به وطلبتا من حمد الخروج
    -هذا الوغد....الكلب.....هل تعرفان ماذا فعل.
    -إهدأ يا أبي......إهدأ وأخبرنا بما حصل.
    -هذا الذي كنتِ تشفقين عليه صورني بهيئة قبيحة ووضع اللوحة في المعرض.....هل صدقتِ كلامي الآن؟!؟!
     
  10. بيت حميد

    بيت حميد ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    -لو كنت أعلم بهذا لما أشفقت عليه ....... من جهة أخرى يا أبي، لماذا لم تخبرني من قبل أنك فنان رائع؟......لوحتك التي في المعرض رائعة وفيها من المعاني الجميلة والسامية الشيء الكثير، لقد أجروا في التلفزيون عدة مقابلات مع نقاد تناولوا اللوحة بالإعجاب.....كم أنا فخورة بك يا أبي......وبعد اليوم لن أجادلك بشأن ذلك العاق المسمى حمد ولن أذهب معه للجامعة.
    -لكني سامحته يا عائشة......هكذا هو قلب الفنان يا ابنتي.....أنا مرهف الحس....أخبريني أيضاً ماذا قالوا عن لوحتي.
    -كلهم أثنوا عليها، وهناك ناقد معروف تناول بالتحديد خلو وسط الرأس من الشعر وهو يتسع على الجانبين، قال ذلك الناقد أن الصلعة تعبير رغبة مستمرة للتحرر من الشعر الذي يخفيها ويظهر عليها ويلغي وجود الرأس وهو الأصل......على كل حال الحمد لله على سلامتك يا أبي.....هل تريدني أن أنادي حمد ليسلم عليك؟
    -لا بأس أن يأتي.......لكن يجب أن يعتذر لي.
    -بالطبع لابد أن يعتذر.....حتى لو لم يفعل شيئاً لابد أن يعتذر، أنت الآن بمقام أبيه.
    دخل حمد على الوالي الذي كان يصد عنه جانباً، لكن بعد الاعتذار والاستعطاف كلمه وسلم عليه، ثم طلب الوالي من زوجته وابنته أن يخرجا ليكلم حمد في أمر
    -ماذا فعلت بي......أطلب منك أن تكتم سري عن كل قريب فتفضحني على الملأ وفي كل الأصقاع؟!؟!؟
    -سعادة الوالي.......ما كنت تكتمه في السابق وتخاف منه أصبح اليوم هو طريقك للنجاح، أنت اليوم أشهر من نار على علم.
    -أخبرني.....ما علاقة صلعتي بالفن؟!.
    -بالطبع ليس لها علاقة، لكن خوفك من ظهورها يعني إصرارك على البقاء ضمن إطار معين راسخ في ذهنك عن صورة الرجل، كان الخروج من ذلك الإطار يعني لك النهاية، كنت تقاوم روحك التواقة للتفرد والتميز والحرية........والفن والشعر والأدب وكل إبداع إنما هو متفرد لأن منبعه الروح الحرة المتفردة....خوفك من صلعتك كان يعني أنك تطمس إحساس الروح، فلا يمكن أن تحب الفن......بمناسبة الكلام عن الحب، أنا أحب عائشة وأريد أن أتزوجها.
    -أحبتك جنية......هيا اخرج عني ولا تريني وجهك.
    خرج حمد وهو يبتسم، وعند الباب تلقفت عائشة الابتسامة، وعندما دخلت على أبيها وجدته يبتسم.

    النهاية
     

مشاركة هذه الصفحة