كيف تتعامل المصارف الإسلامية مع الإيرادات المحرمة؟

الموضوع في ',, البُريمِي الاقتِصَادية ,,' بواسطة [ود], بتاريخ ‏9 سبتمبر 2011.

  1. [ود]

    [ود] ¬| رُوحٌ مُحلِّقَة بَين أسْرآبِ الأمَل ✿ ،

    مع التنامي المتزايد لأنشطة المصرفية الإسلامية، والنمو المطرد لحجم أصولها، وما يتبع ذلك من زيادة في استثماراتها التي ليست بمعزل عن المنظومة الاقتصادية العالمية وعملياتها التجارية والاستثمارية، تبرز قضية معالجة الإيرادات المحرمة الناشئة عن المساهمة في الشركات المختلطة وآلية تطهير المكاسب المحرمة، كإحدى أبرز القضايا التي لقيت اهتماما واسعا وتناولا مكثفا خلال الفترة الماضية من قبل علماء الشريعة في الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية. وعلى الرغم من اتفاق علماء الفقه الإسلامي على وجوب التخلص من الإيرادات المحرمة سواء كان ناتجا من النشاط أو التملك المحرم، وسواء كان مالك الأسهم مستثمرا أو متاجرا، واتفاقهم أيضا على عدم جواز الانتفاع بالإيرادات المحرمة بأي وجه من وجوه الانتفاع، فإن مسألة المحاسبة المالية لتنقية المعاملات والعمليات من الإيرادات المخالفة للشريعة، تعد واحدة من مسائل الاجتهاد التطبيقي التي يجب أن لا تكون بالضرورة منبثقة عن النصوص الشرعية ما دامت لا تتعارض مع ما جاء في النصوص والقواعد الشرعية من أحكام ومبادئ.

    ويرى الدكتور علي أبو العز، أمين سر هيئة الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي الأردني، أن الأصل في النشاط الإسلامي الكسب الحلال، ولكن قد يحدث أحيانا لا سيما في المصارف الإسلامية احتمال دخول الكسب المخالف للشريعة في عملياتها ومعاملاتها، إما لأسباب خارجة عن إرادتها، كأن تعمل في مجتمع لا يطبق الشريعة الإسلامية فينالها شيء من غطرسته، وكأن يطلب منها جبرا إيداع احتياطي بفائدة ثابتة لدى البنك المركزي، أو قد يحدث نتيجة اجتهاد خاطئ من إدارة المصرف، أو نتيجة قيام المصرف بالاستثمار في أسهم شركات ذات أغراض غير مشروعة، لكنها لا تتجنب أخذ الربا أو إعطاءه.

    وقال الدكتور علي أبو العز، إن هذا الموضوع يتصل بواحدة من أكثر قضايا المعاملات خطورة وتعقيدا، وهي قضية الفائدة الربوية، حيث إن قيام الشركة المركبة من التعامل المزدوج (الحلال والحرام) بأخذ التسهيل النقدي من البنوك الربوية، أو استثمار مبلغ السيولة لديها في هذه البنوك بطريق الفوائد الربوية، يولد التزاما على عاتق المساهمين فيها بضرورة البحث عن الآلية التي يتم التوصل بها إلى تجنب الحرام من الربح تبرئة للذمة.

    وأضاف أبو العز، أمين سر هيئة الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي الأردني، أن الشركات المساهمة تعد من أهم المخترعات المالية في العصر الحديث، ويقسم رأس المال في شركة المساهمة إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول بالطرق التجارية، مبينا أن أسهم تلك الشركات تنقسم إلى أسهم شركات ذات أنشطة مباحة، وهي أسهم الشركات التي ينص نظامها وعقدها التأسيسي على مزاولتها للأنشطة المباحة ولا تتعامل بالربا إقراضا ولا اقتراضا، وقد أجاز الفقهاء تداول أسهم هذه الشركات، أما القسم الثاني فهو أسهم الشركات ذات الأنشطة المحرمة، وهي أسهم الشركات التي يكون غرضها الرئيسي الاستثمار أو المتاجرة في أمور محرمة، مثل شركات الخمور ولحوم الخنزير وشركات القمار والبنوك الربوية وشركة التأمين التقليدية وما إلى ذالك، حيث إن هذا النوع من أسهم الشركات لا خلاف بين العلماء مطلقا في تحريم تملكها وتداولها.

    أما القسم الثالث كما يرى أبو العز، هو أسهم الشركات ذات الأنشطة المختلطة، وهي أسهم الشركات التي يكون أصل تعاملها مشروعا ومجال استثمارها مباحا كالشركات الزراعية والصناعة والتجارية، لكنها تتعامل مع العقود المحرمة أحيانا كالإيداع في البنوك الربوية مع أخذ الفائدة واقتراض من البنوك مع إعطاء الفائدة أو استثمار جزء من مال الشركة في عقود محرمة تكون طارئة على الغرض المقصود من إنشائها، كعقود المستقبليات والاختيارات ويسمى هذا النوع من الشركات بالشركات المختلطة.

    وفي هذا القسم أوضح أمين سر هيئة الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي الأردني، أن العلماء المعاصرين اختلفوا في حكم المساهمة في هذه الشركات، إلا أن تحرير محل النزاع يكمن في أنه لا خلاف في جواز المساهمة في الشركات ذات الأغراض المباحة ولا تتعامل مع الحرام مطلقا، وأنه لا خلاف في تحريم الاستثمار في أسهم الشركات ذات الأنشطة المحرمة، كما أنه لا خلاف في أن يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة كأعضاء مجلس الإدارة أن عملهم محرم. وأضاف أبو العز أنه لا خلاف في أن المساهم لا يجوز له أن يدخل في ماله كسبا خبيثا بل يجب عليه التخلص منه حتى على القول بجواز مساهمته في الشركة، مشيرا إلى أن الشركات التي يكون الغرض من إنشائها مشروعا إلا أنها تعاملت جزئيا في الموجودات المحرمة شرعا أو قامت جانبيا بعمليات ربوية دائنة أو مدينة، تظل محل نزاع وخلاف بحسب نسبة العمليات المحرمة من إجمالي العمليات المباحة.

    وهنا حصر أبو العز المخالفات الشرعية في الشركات المختلطة في 3 محاور رئيسية، هي: قيام الشركة بالاقتراض من البنوك الربوية، وقيام الشركة بإقراض البنوك الربوية (الإيداع بفائدة)، وقيام الشركة بالتعامل الجزئي في الموجودات المحرمة شرعا.

    وعن المعالجة المحاسبية للإيرادات المحرمة، يرى الدكتور علي أبو العز جواز شراء أسهم الشركات ذات الغرض المشروع، التي تتعامل أحيانا بالفائدة إقراضا واقتراضا في الحدود المسموح بها شرعا، ولكن بشرط احتساب النسبة العائدة للمساهم من تعامل الشركة بالفائدة واستبعادها من الأرباح، وأنه لا خلاف في وجوب معرفة القدر المحرم والتخلص منه، ولكن الخلاف في كيفية احتسابه وآلية معالجته.

    وعن التخلص من منفعة المال المقترض من الفائدة الربوية، قال الدكتور أبو العز إن هناك 4 آراء شرعية، يتمثل الأول في وجوب التخلص من منفعة الاقتراض الربوي العائد على السهم، وأنه يلزم بهذه الحالة إجراء المقارنة بين معدل الفائدة المدفوع للبنك الربوي عن القرض وبين معدل العائدة الربحي المحقق في الشركة المقترضة، في حين يكمن الثاني في وجوب التخلص من الريع العائد على السهم من القروض الربوية ويتم تجنيب ريع المال المقترض بالربا بالنظر إلى صافي الأرباح، أما الرأي الثالث فهو أن الاقتراض بالربا لا يدخل الربا في أرباح الشركة لأنها في هذه العملية تودي الفائدة لمقرضها ولا تأخذها فلماذا تجنب، بينما الرأي الرابع يتمثل في معرفة نسبة إيرادات الشركة إلى طريقة تحليل عناصر هيكل التمويل الذاتي وعناصر التمويل بفائدة ومعرفة النسبة المئوية بكل منهما.

    وتباينت اجتهادات الهيئات الشرعية في تحديد النسب الحاكمة للشركات المختلطة، ففي الوقت الذي تتجه فيه هيئة المحاسبة والمراجعة إلى تحديد النسب على النحو التالي: ألا يبلغ إجمالي المبلغ المقترض بالربا سواء كان قرضا طويل الأجل أم قصير الأجل 30 في المائة، من القيمة السوقية لمجموع أسهم الشركة. وألا يتجاوز إجمالي المبلغ المودع بالربا، سواء أكانت مدة الإيداع قصيرة أو متوسطة أو طويلة 30 في المائة من القيمة السوقية لمجموع أسهم الشركة. وألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم نسبة 5 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة.

    ذهبت الهيئة الشرعية لشركة «الراجحي» إلى تحديد النسب على هذا الوجه: ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا سواء كان قرضا طويل الأجل أم قرضا قصير الأجل 25 في المائة من إجمالي موجودات الشركة. ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم 5 في المائة من إجمالي إيراد الشركة. ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم استثمارا كان أو تملكا لمحرم نسبة 15 في المائة من إجمالي موجودات الشركة.

    وهكذا وقع الاختلاف بين الهيئتين في تحديد نسب الاقتراض والإقراض بالربا واتفقتا في تحديد مقدار الإيراد الناجم من عنصر محرم بأن لا يتعدى 5 في المائة، من إجمالي إيراد الشركة.

    ويجمع عدد من الهيئات الشرعية على وجوب مبادرة المساهم إلى إبراء عهدته ونقاء ذمته بالتحلل من تلك الأرباح المتولدة من استثمارات غير مباحة شرعا، إذ تعتبر عبئا ثقيلا ومرضا خبيثا لحق أمواله يجب استئصاله وإلا استشرى شره. وفيما يتعلق بجواز تأجير العقار لمن يبيع فيه سلعا غالبها حلال أو يقدم فيه خدمات أكثرها مباح ولو اقترن بذلك بيع بعض السلع المحرمة أو تقديم بعض الخدمات الممنوعة شرعا، يشدد الدكتور علي محيي الدين القرة الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، على التأكد قبل الدخول في مثل هذه العمليات أو تجديدها من أن الجزء المستخدم في ممنوعات لا تزيد نسبته على 5 في المائة، مع عرض أي من هذه العمليات على الهيئة الشرعية للمؤسسة للموافقة أو عدمها.

    ويرى الدكتور علي محيي الدين القرة وجوب أن تقيد تلك العمليات بحالة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، مثل الاستثمار العقاري خارج البلاد الإسلامية أو تملك عقار سبق تأجيره من المالك السابق أو المجمعات التي لا تخلو من مثل ذلك، والالتزام بتطهير العائد الناتج عن الجزء المستخدم في الممنوعات شرعا، وذلك بتحديد العائد الإجمالي قبل حسم المصروفات وتحديد ما يخص الجزء المستخدم فيما هو محرم والتخلص منه بصرفه في وجوه الخير.

    وأكد الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، على أنه لا يقبل أن يكون مستوى المخاطر في الصكوك مساويا لمخاطر السندات لأن الصكوك تمثل حصة في موجودات ومخاطرها تتعلق بها، وليست مخاطر ائتمانية إلا بعد إطفاء الصكوك وتحولها إلى مستحقات نقدية.

    وكانت ندوة البركة قد أكدت في ختام أعمال دورتها الثانية والثلاثين على أن التطهير يتوجب على المالك المستثمر أو المتاجر حين نهاية الفترة المالية، وأنه لا يتوقف على تحقق أو توزيع الربح، ولا يلزم الوسيط أو الوكيل أو المدير عن المقابل المأخوذ نظير عمله، وأن ما يظهر هو ما يخص الإيراد المحرم، وعدم جواز انتفاع المالك بالعنصر المحرم، وأن مسؤولية التطهير على المؤسسة في حال تعاملها لنفسها أو في حال إدارتها دون حالة الوساطة فيقتصر دورها على أخبار المالك ومساعدته في التطهير.

    وأضافت الندوة أن الأصل أن تطهير المكاسب المحرمة يكون عند قبضها، ولكن بالنسبة للمؤسسات التي تجري المحاسبة أو المراجعة على فترات دورية فصلية أو نصف سنوية، فإن موعد التطهير هو نهاية الفترة المختارة، وأن المبالغ الواجب تجنبها لصرفها في الخيرات إذا تأخر صرفها وهي عادة تستثمر في المؤسسات المالية، فإنه يجب ضم عائد استثمارها كله إلى أصل المبالغ ويصرفها معا في وجوه الخير.

    ويجمع أكثر العلماء على أن مصالح المسلمين العامة يصلح أن تكون مصرفا للربح المحرم، بالإضافة إلى مصرف الفقراء والمساكين وفق ما يراه حائزه مناسبا، وتقتضيه المصلحة العامة، فقد يرى أن المصلحة تظهر بإنفاق هذا الربح في بناء المدارس والعيادات الطبية المجانية أو غير الهادفة للربح أو بصرفه على نشر البحوث والدراسات الإسلامية، وقد يرى أن المصلحة تتحقق بإعطائه للفقراء والمحتاجين، فهو يدور مع المصلحة أينما دارت.
     

مشاركة هذه الصفحة