هل يمكن أن يتوحد المسلمون مع اختلاف ما بينهم في العقيدة والمنهج؟

الموضوع في ',, البُريمِي لِـ/ الهَمسَات الإسلَامية ,,' بواسطة Dark Spy, بتاريخ ‏14 جوان 2011.

  1. Dark Spy

    Dark Spy ¬°•| عضو فعّال |•°¬


    هل يمكن أن يتوحد المسلمون مع اختلاف ما بينهم في العقيدة والمنهج؟


    أولاً:
    إن اختلاف الناس فيما بينهم في العقيدة والمنهج سنَّة كونية ، وقد أخبر الله تعالى عن وقوعها في خلقه ، وأخبر عن قدرته بتوحيدهم جميعاً على دين واحدٍ ، لكنَّ الله تعالى له حكمة بالغة في عدم فعل ذلك ؛ ليثيب الطائعين الموحدين ، ويعاقب العاصين والمشركين ، ولو جعل الله تعالى الناس أمة واحدة لم يظهر فضل التوحيد والموحدين ، ولم يظهر قبح المعصية والعاصين ، ولله تعالى أسماء وصفات اقتضت حكمته في الاختلاف أن تظهر في خلقه .
    قال الله تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هود /118 ، 119 .
    قال ابن جرير الطبري – رحمه الله - :
    يقول تعالى ذِكره : ولو شاء ربك ، يا محمد ، لجعل الناس كلها جماعة واحدة ، على ملة واحدة ، ودين واحد .
    " تفسير الطبري " ( 15 / 531 ) .
    وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله - :
    يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كُلِّهم أمَّةً واحدة ، من إيمان أو كفران ، كما قال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) يونس / 99 ، وقوله : ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أي : ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم ، واعتقادات مللهم ، ونِحلهم ، ومذاهبهم ، وآرائهم .
    " تفسير ابن كثير " ( 4 / 361 ) .
    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - :
    يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي ، فإن مشيئته غير قاصرة ، ولا يمتنع عليه شيء ، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين ، مخالفين للصراط المستقيم ، متبعين للسبل الموصلة إلى النار ، كل يرى الحق فيما قاله ، والضلال في قول غيره .
    ( إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به ، والاتفاق عليه ، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة ، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي .
    وأما من عداهم : فهم مخذولون ، موكولون إلى أنفسهم .
    وقوله : ( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) أي : اقتضت حكمته أنه خلقهم ، ليكون منهم السعداء والأشقياء ، والمتفقون والمختلفون ، والفريق الذين هدى الله ، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة ، ليتبين للعباد عدلُه ، وحكمتُه ، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر ، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء .
    " تفسير السعدي " ( ص 392 ) .
    ثانياً:
    وكيف سيتوحد المسلمون على شيء يجمعهم جميعاً غير التوحيد والعقيدة ؟! إن الناظر في أحوال المسلمين يجدهم مدارس وجماعات وأحزابا وأفكارا شتى ، رضي كل واحد لنفسه طريقاً في فهم نصوص الوحي ، والعمل للإسلام ، فحصل الاختلاف ، والتفرق ، والتشتت ، ولو أنهم رضوا لأنفسهم منهجاً واحداً ، واعتقاداً واحداً لاجتمعوا ، وصاروا أمة واحدة ، ولكنهم لم ينظر أكثرهم – وخاصة رؤوس الجماعات والأحزاب – للعقيدة الحقة أنها سبيل توحيد ، بل رأوا أنهم تفرِّق المسلمين ! كما زعم بعض أقطابهم ، وهذه كلمة منكرة ، ولا يمكن أن يكون توحيد للمسلمين وفيهم أمثال هذا القائل ! .
    جاء النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وهم أحزاب وجماعات وأمم وأفكار وأديان مختلفة ، وفيهم الأبيض والأسود ، والرجل والمرأة ، والعامي والمتعلم ، والغني والفقير ، والسادة والضعفاء ، فلم يجمعهم على لغة ، ولا على أرض ، ولا على فكر بشر ، بل جمعهم على شيء معصوم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، جمعهم على القرآن ، والتوحيد ، وهذا هو السبيل الوحيد لأن يجتمع الناس كلهم على اختلاف مشاربهم وأهوائهم ولغاتهم وأماكنهم ، ولن يجدوا خيراً من هذا السبب في توحدهم ، واجتماعهم وتآلفهم ، وأما عندما يراد تجميع الناس وتوحيدهم على فكر بشر قابل للنقض والرد والتعديل والحذف : فهذا ما لا يمكن أن يكون سبيلاً لتوحد المسلمين ، وعندما يراد تجميع الناس وتوحيدهم على قضية سياسية : فهذا لا يمكن أن يجتمع عليه الناس ؛ لاختلاف أفهامهم وآرائهم فيها ، كما لا يمكن لأرض أن تجمع المسلمين ؛ لتعلق كل نفس بوطنها وأرضها ، فلم يبق أمام المسلمين من سبيل لتوحدهم وتجمعهم إلا العقيدة الصحيحة ، والتي منبعها نصوص الوحي المعصومة ، ولن يَصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلَح به أولُّها .
    ثالثاً:
    بما أن أسباب تفرق المسلمين قائمة : فإن تفرقهم هو الثمرة ، وهو النتيجة ، وقد تنوع ذِكر الأسباب في كلام أهل العلم ، وقد جمعها الإمام الشاطبي في ثلاثة أسباب : الجهل ، والهوى ، واتباع الآباء والأشياخ على عمى .
    قال الشاطبي – رحمه الله - :
    كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك : فله أسباب ثلاثة ، قد تجتمع ، وقد تفترق :
    أحدها : أن يعتقد الإنسان في نفسه ، أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم ، والاجتهاد في الدين ، ولم يبلغ تلك الدرجة ، فيعمل على ذلك ، ويعد رأيَه رأياً ، وخلافَه خلافاً ، ولكن تارة يكون ذلك في جزئيٍّ ، وفرعٍ من الفروع ، وتارة يكون في كلِّي وأصلٍ من أصول الدين ، كان من الأصول الاعتقادية ، أو من الأصول العملية ، فتارة آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها حتى يصير منها ما ظهر له بادىء رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها ، وهذا هو المبتدع ، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يَبقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) .
    والثاني من أسباب الخلاف : اتباع الهوى ، ولذلك سمِّي أهلُ البدع أهل الأهواء ؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم ، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها ، والتعويل عليها حتى يصدروا عنها ، بل قدموا أهوءاهم ، واعتمدوا على آرائهم ، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك ، وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح ، ومن مال إلى الفلاسفة ، وغيرهم ، ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم ، أو طلباً للرياسة ، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم ، ويتأول عليهم فيما أرادوا حسبما ذكره العلماء ونقله من مصاحبي السلاطين ، فالأولون ردُّوا كثيراً من الأحاديث الصحيحة بعقولهم ، وأساؤوا الظن بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسَّنوا ظنَّهم بآرائهم الفاسدة ، حتى ردوا كثيراً من أمور الآخرة وأحوالها ، من الصراط ، والميزان ، وحشر الأجساد ، والنعيم ، والعذاب الجسمي ، وأنكروا رؤية الباري ، وأشباه ذلك ، بل صيَّروا العقل شارعاً جاء الشرع أو لا ، بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل إلى غير ذلك من الشناعات .
    والثالث من أسباب الخلاف : التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت ، أو كانت مخالفة للحق ،
    وهو اتباع ما كان عليه الآباء ، والأشياخ ، وأشباه ذلك ، وهو التقليد المذموم ؛ فإن الله ذم ذلك في كتابه بقوله : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ) الآية ، ثم قال : ( قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) ، وقوله : هل يسمعونكم إذ تدعون . أو ينفعونكم أو يضرون ) فنبههم على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء ، فقالوا : ( بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) وهو مقتضى الحديث المتقدم أيضا في قوله : ( اتخذ الناس رؤساء جهالاً ) إلى آخره ، فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال كيف كان .
    " الاعتصام " ( 1 / 421 – 423 ) باختصار .
    وعليه : فإنه من المستحيل اتفاق المسلمين واجتماعهم على غير التوحيد والعقيدة ، وفي الإسلام مظاهر اجتماع واتفاق لا توجد في غيره ، كالقبلة الواحدة ، والقرآن ، ومناسك الحج ، وغيرها ، فنرجو أن يتوحد المسلمون ويجتمعوا على اعتقاد واحد ، ومنهج واحد في فهم القرآن والسنَّة ، وما يحصل من خلافٍ محتمل بعد هذا فإن أمره يسير .
    سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله-
    ما هي المسائل التي يجوز الاختلاف فيها ؟ وتلك التي ينبغي التّوقُّفُ عن الخلاف فيها ؟ وما واجب المسلمين تُجاه دينهم ؟ .
    فأجاب :
    الاختلاف على قسمين :
    القسم الأول : الاختلاف في مسائل العقيدة ، وهذا لا يجوز ؛ لأنّ الواجب على المسلمين اعتقاد ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة ، وعدم التّدخُّل في ذلك بعقولهم واجتهاداتهم ؛ لأنّ العقيدة توقيفيّة ، ولا مجال للاجتهاد والاختلاف فيها .
    القسم الثاني : اختلاف في المسائل الفقهيَّة المستنبطة من النُّصوص ، وهذا لابدّ منه ؛ لأنّ مدارك الناس تختلف ، ولكن يجب الأخذ بما ترجّح بالدّليل من أقوالهم ، وهذا هو سبيل الخروج من هذا الخلاف .
    ويجب على المسلم أن يهتمَّ بأمور دينه ، ويحافظ على أداء ما أوجب الله عليه ، ويترك ما حرَّمَ الله عليه ، وأن يتحلَّى بالأخلاق الفاضلة مع إخوانه ، وأن يصدُقَ في معاملته ، ويحفظ أمانته ، ويكون قدوةً صالحةً لغيره .
    ويجب أن يتربَّوا على التّمسّك بالدّين والأخلاق الفاضلة ، وأن يبتعدوا عن الأخلاق الرّذيلة وقرناء السُّوء ، وأن يهتمُّوا بما ينفعهم في دينهم ودُنياه ، وأن يكونوا قوَّة للإسلام والمسلمين . " المنتقى من فتاوى الفوزان " ( 1 / 407 ، 408 ، السؤال رقم 241 ) .
    والله أعلم

    الشيخ محمد صالح المنجد

    :bt:
     
  2. Queen Love

    Queen Love ✗ الفريق التطويري الأعلامي ✗

    يسلمووو ع الطرح الطيب
     
  3. شووق قطر

    شووق قطر ¬°•| مراقبة عامة سابقة وصاحبة العطاء المميز |•°¬

    ا للهـــــم وحـــــد صفـــــوف المســــلميـــن يــآرب


    بآرك الله فيك
     
  4. سيف الشرع

    سيف الشرع ¬°•| عضو فعّال |•°¬

    اللهم اجمع كلمة المسلمين على التوحيد والسنة
     
  5. رحآيل

    رحآيل ¬°•| مُشْرِفة سابقة |•°¬

    بارك الله فيك أخوي عالطرح ..
    ويزاااك الخيراااات وفسيح الجنااات ..

    الله الرحمنْ
     

مشاركة هذه الصفحة