ورقة صغيرة كُتبت بخطٍ غير واضح

الموضوع في ',, البُريمِي لِلقِصَص والرِوَايات ,,' بواسطة عباس العجمي, بتاريخ ‏21 فبراير 2011.

  1. عباس العجمي

    عباس العجمي ¬°•| عضو فعّال |•°¬

    ورقة صغيرة كُتبت بخطٍ غير واضح ، تمكنت من قراءتها بصعوبة بالغة ... مكتوببها

    فضيلة الشيخ : هل لديك قصة عن أصحاب أو أخوان ؟؟؟!... أثابك الله ...

    كانت صيغة السؤال غير واضحة ، والخط غير جيد...

    سألت صديقي : ماذا يقصد بهذا السؤال ؟

    وضعتها جانباً ، بعد أن قررت عدم قراءتها على الشيخ ...

    ومضى الشيخ يتحدث في محاضرته والوقت يمضي ...

    أذن المؤذن لصلاةالعشاء ...

    توقفت المحاضرة ، وبعد الآذان عاد الشيخ يشرح للحاضرين ، طريقةتغسيل وتكفين الميت عملياً ...

    وبعدها قمنا لآداء صلاة العشاء ...

    وأثناء ذلك أعطيت أوراق الأسئلة للشيخ ومنحته تلك الورقة التي قررت أناستبعدها ، ظننت أن المحاضرة قد انتهت ...

    وبعد الصلاة طلب الحضور من الشيخأن يجيب على الأسئلة ...

    عاد يتحدث وعاد الناس يستمعون ...

    ومضىالسؤال الأول والثاني والثالث ...

    هممت بالخروج ، استوقفني صوت الشيخ وهويقرأ السؤال ...

    قلت : لن يجيب فالسؤال غير واضح ...

    لكن الشيخ صمت لحظة ثم عاد يتحدث ...

    (( جاءني في يوم من الأيام جنازة لشاب لم يبلغ الأربعين ، ومع الشاب مجموعة من أقاربه ، لفت انتباهي ، شاب في مثل سن الميت يبكيب حرقة ، شاركني الغسيل ، وهو بين خنين ونشيج وبكاء رهيب يحاول كتمانه ، أما دموعه فكانت تجري بلا انقطاع ...

    وبين لحظةٍ وأخرى أصبره وأذكره بعظم أجر الصبر ...

    ولسانه لايتوقف عن قول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لاحول ولاقوة إلابالله ...

    هذه الكلمات كانت تريحني قليلاً ...

    بكاؤه أفقدني التركيز، هتفت به بالشاب ...

    - إن الله أرحم بأخيك منك ، وعليك بالصبر

    التفت نحوي وقال : إنه ليس أخي

    ألجمتني المفاجأة ، مستحيل ، وهذاالبكاء وهذا النحيب

    - نعم إنه ليس أخي ، لكنه أغلى وأعز أليّ من أخي ...

    سكت ورحت أنظر إليه بتعجب ، بينما واصل حديثه ...

    - إنه صديق الطفولة ، زميل الدراسة ، نجلس معاً في الصف وفي ساحة المدرسة ، ونلعب سوياً في الحارة ، تجمعنا براءة الأطفال مرحهم ولهوهم ...

    - كبرنا وكبرت العلاقة بيننا ، أصبحنا لا نفترق إلا دقائق معدودة ، ثم نعود لنلتقي ، تخرجنا من المرحلة الثانوية ثم الجامعة معاً ...

    التحقنا بعمل واحد ...

    تزوجنا أختين ،وسكنا في شقتين متقابلتين ...

    رزقني الله بابن وبنت ، وهو أيضاً رُزق ببن توابن ...

    عشنا معاً أفراحنا وأحزاننا ، يزيد الفرح عندما يجمعنا ، وتنتهي الأحزان عندما نلتقي ...

    اشتركنا في الطعام والشراب والسيارة ...

    نذهب سوياً ونعود سوياً ...

    واليوم ... توقفت الكلمة على شفتيه وأجهش بالبكاء ...

    - يا شيخ هل يوجد في الدنيا مثلنا؟؟ ...

    خنقتني العبرة ، تذكرت أخي البعيد عني ، لا .. لا يوجد مثلكما ..

    أخذت أردد ، سبحان الله ، سبحان الله ، وأبكي رثاء لحاله ...

    أنتهيت من غسله ، وأقبل ذلك الشاب يقبله ...

    لقد كان المشهد مؤثراً ، فقد كان ينشق من شدة البكاء ، حتى ظننت أنه سيهلك في تلك اللحظة ...

    راح يقبل وجهه ورأسه ، ويبلله بدموعه ...

    أمسك به الحاضرون وأخرجوه لكي نصلي عليه ...

    وبعد الصلاة توجهنا بالجنازة إلى المقبرة ...

    أما الشاب فقد أحاط به أقاربه ...

    فكانت جنازة تحمل على الأكتاف ، وهو جنازة تدب على الأرض دبيباً ...

    وعند القبر وقف باكياً ، يسنده بعض أقاربه ...

    سكن قليلاً ، وقام يدعو ، ويدعو ...

    انصرف الجميع ...

    عدت إلى المنزل وبي من الحزن العظيم ما لايعلمه إلاالله، وتقف عنده الكلمات عاجزة عن التعبير ...

    وفي اليوم الثاني وبعد صلاة العصر ، حضرت جنازة لشاب ، أخذت اتأملها ، الوجه ليس غريب ، شعرت بأنني أعرفه ، ولكن أين شاهدته ...

    نظرت إلى الأب المكلوم ، هذا الوجه أعرفه ...

    تقاطر الدمع على خديه ، وانطلق الصوت حزيناً ...

    يا شيخ لقد كان بالأمس مع صديقه ...

    يا شيخ بالأمس كان يناول المقص والكفن ، يقلب صديقه ،يمسك بيده ، بالأمس كان يبكي فراق صديق طفولته وشبابه ، ثم انخرط في البكاء ...

    انقشع الحجاب ، تذكرته ، تذكرت بكاءه ونحيبه ...

    رددت بصوت مرتفع :كيف مات ؟

    - عرضت زوجته عليه الطعام ، فلم يقدر على تناوله ، قرر أن ينام ،وعند صلاة العصر جاءت لتوقظه فوجدته ، وهنا سكت الأب ومسح دمعاً تحدر على خديه ،رحمه الله لم يتحمل الصدمة في وفاة صديقه ، وأخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ...

    - إنا لله وإنا إليه راجعون ، اصبر واحتسب ، اسأل الله أن يجمعه مع رفيقه في الجنة ، يوم أن ينادي الجبار عز وجل : أين المتحابين فيِّ اليوم أظلهم فيظلي يوم لاظل إلا ظلي ...

    قمت بتغسيله ، وتكفينه ، ثم صلينا عليه ...

    توجهنا بالجنازة إلى القبر ، وهناك كانت المفاجأة ...

    لقد وجدناالقبر المجاور لقبر صديقه فارغاً ...

    قلت في نفسي مستحيل : منذ الأمس لم تأت جنازة ، لم يحدث هذا من قبل ...

    أنزلناه في قبره ، وضعت يدي على الجدار الذي يفصل بينهما ، وأنا أردد ، يالها من قصة عجيبة ، اجتمعا في الحياة صغاراً وكباراً ،وجمعت القبور بينهما أمواتاً ...

    خرجت من القبر ووقفت ادعو لهما : اللهم أغفرلهما وأرحمهما ، اللهم واجمع بينهما في جنات النعيم على سرر متقابلين ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ومسحت دمعة جرت ، ثم انطلقت أعزي أقاربهما ...))

    انتهىالشيخ من الحديث ، وأنا واقف قد أصابني الذهول ، وتملكتني الدهشة ، لا إله إلاالله، سبحان الله ، وحمدت الله أن الورقة وصلت للشيخ وسمعت هذه القصة المثيرة ،والتي لو حدثني بها أحد لما صدقتها ...

    وأخذت ادعو لهما بالرحمةوالمغفرة
     
  2. عباس العجمي

    عباس العجمي ¬°•| عضو فعّال |•°¬

    :frowns::frowns::frowns::frowns::frowns:
     

مشاركة هذه الصفحة