جريدة الرأي الكويتيه خيرالله خيرالله / سلطنة عُمان... متصالحة مع نفسها ومع شعبها

الموضوع في 'مركز البُريمِي للأخبَار المَحَلية و العَالميةّ' بواسطة دبلوماسي المحافظه, بتاريخ ‏17 فبراير 2011.

  1. دبلوماسي المحافظه

    دبلوماسي المحافظه ¬°•| فخر المنتدى |•°¬

    خيرالله خيرالله / سلطنة عُمان... متصالحة مع نفسها ومع شعبها

    كم هي مدهشة سلطنة عمان، مدهشة كدولة باتت تمتلك مؤسسات راسخة ومدهشة بالعمران الذي يشمل كل المناطق ومدهشة بشعبها الطيب. فما يلفت زائر عُمان، هذه الأيام، بعد أربعين عاماً من تولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم وجود مؤسسات لدولة حديثة وشعب مهذب يحترم القانون ويقبل على العمل في كل الوظائف من دون أي نوع من العقد. إذا كان من انجاز يمكن وضعه في مستوى القدرة على بناء دولة حديثة انطلاقاً من لا شيء تقريباً، فإن هذا الانجاز يتمثل في أن قابوس استطاع ادخال فكرة العمل في عقول مواطني الدولة الذين صاروا موجودين في كل مكان بما في ذلك الفنادق. انها قيم جديدة دخلت المجتمع وترسخت فيه بما يسمح للعُمانيين، رجالاً ونساء، بمواجهة المستقبل بطريقة أفضل.
    ولعلّ الخطاب الذي ألقاه السلطان قبل أيام في صلالة مفتتحاً به دورة انعقاد مجلس عُمان» (مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعيّن) يختصر تاريخ مرحلة من عمر الدولة القديمة ذات الحضارة العريقة. فقد جاء في الخطاب المقتضب الذي تضمن الخطوط الأساسية للسياسة المتبعة منذ أربعين عاماً انه لمن موجبات الحمد والشكر لله العلي القدير، أن تمكنت عُمان خلال المرحلة المنصرمة من انجاز الكثير مما تطلعنا إليه. وكان كل ذلك ضمن توازن دقيق بين المحافظة على الجيّد من موروثنا الذي نعتز به ومقتضيات الحاضر التي تتطلب التلاؤم مع روح العصر والتجاوب مع حضارته وعلومه وتقنياته والاستفادة من مستجداته ومستحدثاته في شتى ميادين الحياة العامة والخاصة».
    لم يكن سهلاً بناء دولة حديثة في أربعين عاماً في منطقة عصفت بها التقلبات، خصوصاً أن هناك من كان يعتقد، مطلع السبعينات، أن في الإمكان الاستفادة من ضعف الدولة المركزية وعدم قدرتها على السيطرة على كل أراضيها. كان لابدّ من اتمام تلك السيطرة كي يصبح في إمكان السلطان قابوس اتباع سياسة خاصة به على الصعيد الخارجي تستند إلى عدم التدخل في شؤون الآخرين ورفض تدخل الآخرين في شؤون عُمان.
    كانت محافظة ظفار نقطة البداية في عملية بناء دولة مركزية قوية ذات سياسة واضحة، دولة قادرة على اتباع سياسة خاصة بها قد لا تعجب كثيرين في بعض الأحيان، خصوصاً الطريقة التي تتعاطى بها السلطنة مع إيران، حتى أنها تبدو في مناسبات معينة وكأنها تغرد خارج السرب الخليجي. سعى السلطان في خطابه الأخير إلى التشديد على أهمية ما تحقق في محافظة ظفار التي كانت تعاني من تمرد واسع كاد أن يهدد وجود الدولة قبل القضاء عليه نهائياً في أواخر العام 1975. ولهذا السبب قال قابوس ان للقائنا في مدينة صلالة، ونحن على مشارف الاحتفال بعيد النهضة الأربعين، دلالة رمزية لا تنكر. فمن محافظة ظفار (عاصمتها صلالة) انطلقت النهضة العمانية الحديثة وفيها بدأت خطواتها الأولى لتحقيق الأمل. وها نحن نحتفي في ربوعها الطيبة بالذكرى الأربعين لمسيرتها المباركة التي تحققت خلالها منجزات لا تخفى وفي مجالات كثيرة غيّرت وجه الحياة في عُمان وجعلتها تتبوأ مكانة بارزة على المستويين الإقليمي والدولي».
    وضع سلطان عُمان، انطلاقاً من ظفار، حجر الأساس لدولة عصرية تقوم على فكرة عُمان أوّلاً». كانت تلك الفكرة هي المحرك الأساسي الذي سمح بالقضاء على التمرد الذي شهدته ظفار والذي كان مدعوماً مما كان يسمى اليمن الديموقراطية الشعبية» أي اليمن الجنوبي قبل الوحدة. لم تكن تلك الدولة في مطلع السبعينات سوى جرم يدور في فلك الاتحاد السوفياتي. سمحت فكرة عُمان أوّلاً» للسلطان بالاستعانة بكل القوى التي كانت مهتمة وقتذاك بإبعاد المنطقة عن النفوذ السوفياتي بما في ذلك إيران- الشاه والمملكة الأردنية الهاشمية التي لعبت دوراً أساسياً في توفير الخبرات العسكرية اللازمة للقضاء على التمرد في ظفار.
    تبدو سلطنة عُمان في العام 2010 دولة متصالحة مع نفسها ومع شعبها إلى حدّ كبير. هناك نهضة عمرانية في كل قرية ومدينة ولكن، هناك أيضاً خوف من أمرين. الأمر الأول دخول السلطنة في مرحلة الجمود والعجز عن تطوير تجربة الأعوام الأربعين الماضية في عالم يتغير بسرعة. وربما كان ذلك ما دفع السلطان قابوس إلى القول انه تمّ انجاز نسبة عالية من بناء الدولة العصرية»، بمعنى أن هناك ما لايزال في حاجة إلى انجاز.
    أما الأمر الآخر، فهو مرتبط بالسياسة الخارجية والحرص على العلاقة مع إيران مع التغاضي عن كل ممارساتها على الصعيد الإقليمي. صحيح أنه لا يمكن إلا الترحيب بقول وزير الشؤون الخارجية السيد يوسف علوي في ندوة صحافية ان اليمن خط أحمر» وان سلطنة عمان حريصة على الوحدة اليمنية وعلى الوفاق في لبنان، إلا أن الصحيح أيضاً أنه لا يمكن تجاهل الدور الإيراني في إثارة المشاكل والغرائز المذهبية في اليمن ولبنان والعراق والبحرين وحتى في الكويت. كذلك ليس صحيحاً أن قوى خارجية، لم يسمها الوزير، تقف وحدها وراء المشكلة الكبيرة المطروحة حالياً على مستوى المنطقة كلها والتي اسمها التوترات ذات الطابع المذهبي... فمصادر التوتر معروفة جيداً. وربما كان هناك كلام صريح يفترض قوله إلى المسؤولين في إيران في سياق الحوار معهم، وفي إطار الحرص على متابعة هذا الحوار الضروري، وهو حرص له ما يبرره في كل الظروف والأحوال!
    ليس سراً أن هناك تجربة ناجحة اسمها تجربة سلطنة عُمان. بعد أربعين عاماً من التطور المستمر على كل المستويات بقيادة السلطان قابوس، لا مفرّ من طرح أسئلة في شأن أنجع الطرق لمواجهة تحديات المستقبل التي قد لا تصلح معها الوسائل والسياسات والآليات التي استخدمت في الماضي


    كاتب لبناني مقيم بلندن ويكتب بجريدة الرأي الكويتيه
     

مشاركة هذه الصفحة