الأعتراف بلأنفصال ... ماذا بعد

الموضوع في 'مركز البُريمِي للأخبَار المَحَلية و العَالميةّ' بواسطة مخاوي الجروح, بتاريخ ‏10 فبراير 2011.

  1. مخاوي الجروح

    مخاوي الجروح ¬°•| عضو مثالي |•°¬

    عبدالله عبيد حسن

    يوم الاثنين الماضي، السابع من فبراير 2011، أُعلنت وأُعتمدت النتيجة النهائية رسمياً لاستفتاء الجنوب حول تقرير المصير، وكانت النتيجة كما كان معلوماً -حتى قبل إجراء الاستفتاء- إذ قرر المواطنون الجنوبيون بانفصال إقليمهم عن جمهورية السودان محققين، كما قالوا حلمهم التاريخي بإقامة دولتهم الحرة والمستقلة. كان البشير ونائبه الأول قد اعتمدا في اجتماع لمجلس الرئاسة المشترك النتيجة التي سلمها لهم رسمياً في القصر "الجمهوري" رئيس مفوضية الاستفتاء القومية محمد إبراهيم خليل.

    ثم جرى الاحتفال الرسمي بإعلان موافقة الرئيس ونائبه على النتيجة التي أظهرت الأرقام أن الجنوبيين صوتوا بنسبة 98.5 في المئة لصالح الانفصال والاستقلال عن جمهورية السودان. الاحتفال الرسمي الذي أُقيم مساء الإثنين الماضي حظي بحضور دولي وإقليمي ومحلي، وشارك فيه ممثلو الهيئات الدولية والإقليمية والدول، التي ساهمت وشاركت وعملت لتحقيق مفاوضات نيفاشا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب "المؤتمر الوطني" الحاكم التي أنهت الحرب الأهلية، وضمنت للجنوبين حقهم الطبيعي في تقرير المصير، الذي يتطلعون إليه قبيل إعلان استقلال السودان في أول يناير 1956.

    ورغم أن الاعتراف بالانفصال قد حظي علناً بموافقة ومباركة كل القوى السياسية الشمالية (حكومة ومعارضة)، فإن اقتطاع جزء من أرض الوطن التاريخي المشترك قد أحدث جرحاً دامياً في قلوب غالبية السودانيين، الذين ظلوا يحلمون بوطن موحد وسودان جديد، يحقق العدل والمساواة والتعايش السلمي والتقدم والتنمية المستدامة لكل مكوناته الإثنية والجغرافية والانتقال به من مرحلة الحروب والاقتتال والفقر والأوبئة والمجاعات، إلى سودان مستقر وآمن.

    هذا الجرح الدامي سيظل ينزف ويلزم هؤلاء الوطنيين الوحدويين طويلاً، ويظل الحلم باستعادة السودان الجديد يراودهم، وسيسعى كثيرون منهم لذلك.

    إعلان يوم الإثنين الماضي، لن يكون نهاية سعيدة للمأساة السودانية وستكون الأشهر القادمة حتى (يوليو القادم )، مرحلة صعبة وشائكة تتطلب حكمة القيادات السياسية السودانية. فإعلان نتيجة الاستفتاء (الانفصال) قد خلف وراءه كماً من المشاكل والأزمات المرشحة للانفجار في أيه لحظة ممثلة بقضايا "أبيي" والجنسية وتسوية الديون الخارجية، وتقاسم مخلفات السودان الموحد الخ. والتي تعرف بالقضايا المعلقة". البشير وسلفاكير أكدا التزامهما بالعمل للتعاون وتدشين علاقات جوار حسنة وأخوية بين الدولتين المتجاورتين. والبشير أعلن مجدداً التزامه بتقديم كل عون للأخوة الجنوبيين، وأن يتم الانفصال بسلاسة، وقال كلاهما أن لاعودة للحرب والاقتتال وسيعملان على السلام الدائم والمستقر بين الدولتين المتجاورتين.

    الواقع الذي سينبثق في يوليو القادم عن قيام دولة جنوب السودان سيخلق وضعاً جديداً في السودان (ما تبقي منه)، وكل مماطلة وإنكار لذلك لن يفيد، فسودان ما بعد يوليو ليس هو سودان الأمس. ولا أحد يضمن ردود الفعل التي ستنتج عن هذا الواقع الجديد ما بين حكومة ذات مشاركة عريضة التي يطرحها حزب المؤتمر الوطني "والأجندة الوطنية "، التي طرحتها المعارضة.

    في ندوة قانونية عقدها خبراء قانونيون سودانيون مشهود لهم بالعلم والكفاءة وصدق الوطنية وكان عنوانها (ملامح الدستور الدائم)، أكد غالبية المشاركين في الحوار والنقاش علي ضرورة إجراء استفتاء شعبيي حول مسودة الدستور الدائم، حتي يجمع عليه الشعب السوداني، ويرتضيه مرجعاً للحكم في البلاد، دون تأثره بتغير أنظمة الحكم، وأكدوا على ضرورة أن يعزز الدستور الدائم مبدأ سيادة القانون، وإتاحة الحريات، ويضمن استقلال القضاء، ويفصل بين السلطات، ويحترم التنوع الثقافي والديني والعرقي.

    ودعا مولانا خلف الرشيد رئيس القضاء الأسبق ورئيس اللجنة القانونية الدائمة لجامعة الدول العربية (وهو شخصية تحظى بالاحترام محلياً وإقليمياً ودولياً) "، إلى ضرورة إيقاف تدخل السلطات التنفيذية في عمل القضاء وانتقد الدستور الانتقالي لإعطائه رئيس الجمهورية، حق العفو والإدانة على المحكوم عليهم بأوامر قضائية". وفي هذا المنحى ذهب أكثر المتحدثين والمناقشين، ودعوا إلى إعادة النظر في نظام الحكم الاتحادي (الفيدرالي)، الذي أدى إلى انفصال الجنوب وخلق مشاكل في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور والشرق، وقد يؤدي الى مطالبتهم بالانفصال أيضاً .

    قضية الدستور الدائم التي ستكون أولى المشاكل التي تواجه سودان ما بعد يوليو، إذ سيسقط الدستور الانتقالي. والمخرج من ذلك لا يتم إلا عبر المؤتمر القومي الذي يشارك فيه الجميع ولا يستثنى منه أحد. والكرة في ملعب حزب "المؤتمر الوطني" وقيادته، فإن شاءت أن تفادي الوطن مزيداً من الدمار فعليها أن تركن للعقل والحكمة، وأن تستفيد من تجارب وعظات التاريخ، وأن تعلم أن القوة والعنف وإرهاب المعارضين لن يحقق لأي حكم الدوام.
     

مشاركة هذه الصفحة