من طرائف الترجمة

الموضوع في ',, البريمي لـِ مساحة حرة ,,' بواسطة a picky girl, بتاريخ ‏8 مارس 2010.

  1. a picky girl

    a picky girl ¬°•| مُشرِِفَة سابقة |•°¬

    كيف لنا أن نتصور منزلة الترجمة في عالم اليوم؟

    لقد أضحت الترجمة اليوم جزءا من الوجبة المعلوماتية والاخبارية اليومية التي يتلقاها المشاهد او المستمع او القاريء . إذ أن وسائل الاعلام في ظل التبادل المعرفي والثقافي الذي نعيشه تتكيئ على الترجمة في نقل وتبادل خبرات الاخرين ومعارفهم وما لديهم من أخبار ومعلومات وبيانات. لذا تشكل المواد المترجمة نسبة كبيرة من بين ما تطرحه وسائل الاعلام من برامج وأخبار. وهي أي الترجمة، شأنها شأن أي مهنة متخصصة أخرى، لها ضوابط ومقاييس واعتبارات لا بد ان يراعيها المترجم اثناء عمله لكي يحظى بقبول المتلقي واستحسانه. ومن اهم الاعبتارات التي ينبغي للمترجم ان يضعها نصب عينيه هي تلك التي تتعلق بنظام اللغة المنقول إليها، وكلمة "نظام اللغة" تشمل أشياء كثيرة ليس هذا محل سردها لكن لعل من ابرزها النحو، وتآلف الكلمات في ذهن المتلقي ، بمعنى أن لا يأتي المترجم بكلمات تؤدي إلى تنافر معنوي في ذهن المتلقي ابن اللغة المنقول إليها، فلا بد أن تكون التراكيب مقبولة معنويا ومنطقيا حسب نظام اللغة المنقول إليها، ولعل هذه الناحية مما يقع فيها الخطأ كثيرا، ويتولد عنها مخرجات غير مقبولة ليس معنويا فحسب بل ومنطقيا ايضا، وسأضرب لذلك أمثلة قد يجد فيها القراء بعض الطرافة:



    حكاية الثقب الذي أعيا المترجمين:

    في برنامج مترجم عن الحياة في العروض الشمالية المتجمدة كان المذيع المترجم يتحدث عن البيات الشتوي للدب القطبي، يقول: وعندما يأتي الشتاء يبحث الدب عن (ثـقـب) لينام فيه خلال هذا الفصل. ...!! هكذا (ثقب لينام فيه) ، ولك أخي القاريء ان تقضي العجب من هذا الثـقـب الذي يمكنه أن يؤي دبا بكامله! فالثقب في العربية لا يمكنه أن يتسع لدب، ولا حتى لقط! ولنا ان نتذكر الاية الكريمة (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) يعني ثقب الإبرة، كناية عن الاستحالة. ونفس الخطأ يتكرر عندما يسأل المذيع الصياد في المنطقة القطبية عن كيفية نومه في رحلات القنص، فاشار الرجل إلى حفرة قريبة فقال المذيع متساءلا: انت تنام في هذا الثقب؟ وسرى الخطأ ايضا إلى قصة قصيرة قرأتها مترجمة عن تولوستوي نشرت في إحدى المجلات ، وذُكر فيها سجين يخطط للهرب فحفر حفرة تحت جدار الزنزانة ، يقول المترجم: حفر السجين (ثقبا) ليهرب منه، وهذا بالنسبة للمتلقي العربي تركيب معقد معنويا، لان الثقب في العربية لا يمكن ان يمر من خلاله انسان، حتى لو تحول إلى هلام أو حتى إلى أثير، اللهم الا ان يكون ثقب الأوزون، وهو مترجم على أية حال! المهم أنه كان ينبغي استعاضة هذة الترجمة بكلمة (حفرة، او جُحر، او وجار (في حالة نوم الدب مثلا)) بدلا من (ثقب) هذه، لان هذه الكلمات تتآلف معنويا مع الفاعل في تلك الجمل.

    الآلة محطمة:

    ومثال آخر في فيلم تسجيلي مترجم عن الجرائم، إذ يدخل اللصان إلى محل تجاري كبير يحتوي على (مكينة) صراف نقود تابعة لاحد البنوك، فقال اللصان لصاحب المحل وقد تظاهرا بزي موظفي صيانة جاء إلى الالة فوضعاها على عربة وقالا: "إن الالة (محطمة) وينبغي إصلاحها!"، هكذا، وهذه ترجمة فيها تعقيد معنوي أيضا بالنسبة للمتلقي العربي، لماذا؟ لأن الالة ما دامت (محطمة) فما الفائدة المرجوة من اصلاحها؟ بل كيف يمكن تصور اصلاحها وصيانتها وهي قد تحولت إلى حطام بناء على نص الجملة؟ هذا مع ملاحظة ان الالة تبدو للمشاهد من دون اي آثار تحطيمية، اذن فالوجه الصحيح ان تترجم (متعطلة) او (معطوبة) او نحو ذلك بدلا من (محطمة) هذه الناتجة عن الترجمة الحرفية.


    أخيرا .... الجعل يتحول إلى نحلة

    وهذه طبعا ليست بالنكته، وإنما ما شاهدته في أحد البرامج المترجمة، حيث كان يتكلم عن مجموعة من الحشرات البرية، وجاء دور الجعل ضمنها فقال المترجم : (نحل الفضلات هذا يجمع الفضلات ويكومها ليضع فيها البيض) ، فقضيت العجب من هذه الترجمة الشوهاء، إذا كيف للجعل أن يدرج في عداد النحل؟ وشتان ما بين النحل الذي يجمع العسل والجعل الذي يجمع الفضلات! وهل يعقل أن المترجم كان يقرا الترجمة بعيدا عن المشهد؟ طبعا مستحيل. وأغلب الظن أن العلة كانت في ترجمته السيئة لاسم هذه الحشرة في اللغة الأصلية للبرنامج، أو لاسم الرتبة أو الفصيلة التي تنتمي إليها. او ربما التبس عليه اسمها باسم النحلة.

    "أخيرا وليس آخرا":

    وهذه هي ثالثة الاثافي، فما تعني هذه العبارة لدى القارئ او المستمع العربي؟؟ ببساطة لا شيء، نعم لا شي للأسف. لماذا يا ترى، أليست كلمات عربية وحروف فصيحة؟ نعم هي كذلك، ولكن التركيب ليس بعربي ، والذي ترجمه من اللغات الأجنبية نقله بصورة حرفية بحيث أصبح يردده العربي كالببغاء من دون أن يعني له شيئا. وللتدليل على ذلك أسأل أحدهم أن يشرح لك معناه، ليقول لك إما أنه لا يفهمه ، أو أن يقول: الاخير هو الآخر و(ليس) زائدة لامحل لها من الاعراب، وذلك لكي يفلت من التعقيد المعنوي أو المنطقي الذي سيقع فيه بسبب ترادف االكلمتين في العربية، خاصة إذا علمنا أن (الآخر) هي كلمة مقابلة للأول كما في الآية: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) ، والأخير تعني كذلك عكس ألأول كما في قول الشاعر : وإني وإن كنت الأخير زمانه ... . لكن هذا التركيب الأجنبي يعني في الأصل المنقول عنه: الأخير في الذكر ولكن ليس بالأقل أهمية، فاعلمه يا رعاك الله. لذا يمكن ترجمته بأسلوب يفهمه المتلقي العربي هكذا، أو بأي كلمات أخرى تؤدي المعنى. هذا مع ملاحظة أن هذا التعبير الأجنبي في لغته الاصلية قد بلي من كثرة الاستخدام حتى فقد دلالته.



    لغات بالدرزن:

    وفي أحد الكتب عن الرحالة الغربيين في الجزيرة العربية يقول المترجم عن الرحالة بيرتون: "تعلم ريتشارد بيرتون (نصف درزن) من اللغات"، والشاهد في قوله "نصف درزن من اللغات"، ولنا أن نستغرب هذه الترجمة التي تبيع اللغات بالدرزن والكرتون، وكأنها سلع او بضاعة معروضة في محل بيع بالجملة، لذا فالصحيح أن تترجم (ست لغات) بدلا من (نصف درزن) ، فنظام العربية لا يعد المجردات بما تـُعد به الماديات والمحسوسات، هذا فضلا عن أن (درزن) في العربية تستعمل في السلع فحسب.



    عتاد:

    ومن طرائف المترجمين قول أحدهم أن تكوين الحاسب الالي يتشكل من: عتاد ، وبرمجيات. ووجه الاشكال أن عتاد (والمقصود بها الأجهزة التي يتألف منه الحاسب) هي كلمة اعتاد المتلقي العربي لقرون عدة أن يربطها بالحرب، فيقال عتاد حربي مثلا، وان الدولة تلك تتفوق عسكريا بقوة العتاد، وقولهم العدة والعتاد ، وكذلك ليست ببعيد عنا الاية الكريمة (إنا أعتدنا للظالمين سلاسل وأغلالا وسعيرا) وهكذا، فمن غير المألوف إذن استخدامها في مجال الحاسب، ويكفي أن نقول (أجهزة).



    اللاجئون في شروط صعبة:

    وفي تقرير أحد المراسلين الأجانب عن أحوال اللاجئين العراقيين على الحدود الاردنية العراقية والذي سمعته في محطة أخبارية عربية، جاء في ذلك التقرير أن " كثيرا من اللاجين عالقون في شروط صعبة" ، ، مما يجعل القاريء العربي يحس ان (شروط صعبة) هذه غير مفهومة ، إذ لا يذكر التقرير طرفا آخر يشترط على اللاجئين شيئا، بل نفهم من سياق التقرير أنهم يعيشون في ظروف وأحوال معيشية صعبة فحسب، إذن فـ(شروط صعبة) هذه هي ترجمة حرفية سريعة وربما آلية لم تلتفت إلى سياق الكلام ومؤدى الخطاب، والغريب أن المذيع لا يبدو له دور أبدا في تصحيح هذه الترجمة الالية، وإنما هو يقرأ الكلام على علاته، مع أن القاريء يمكنه ملاحظة ذلك من السياق بل من العنوان الذي يقول (تقرير عن أحوال اللاجئين العراقيين على الحدود الاردنية).

    وأخيرا ... المستجوبين:

    ففي تقرير أخباري مترجم عن دراسة استقصائية أجريت على مجموعة من الناس، يقول المذيع: "وقد قال 30% من المستجوبين بأنهم يفضلون أن ... " وذكر رأيا معينا، ووجه الاشكال في (المستجوبين) هذه، لأن (الاستجواب) قد ارتبط في مخيلة المتلقي العربي خاصة في الوقت الراهن بأشياء من قبيل : اعتقال ، تحقيق ، بحث، تحري، متابعة ... ، فهي العربية المعاصرة تأتي غالبا في سياق التحقيقات الامنية والقضايا الجنائية وما أشبه من اعمال الجهات الامنية، ولا تستخدم البته في وصف المشاركين في استبيان او دراسة استقصائية، إذن فالوجه الصحيح أن يقال (30 % من أفراد العينة، او ممن شملتهم الدراسة، او من المشاركين فيها..) وهكذا.
     

مشاركة هذه الصفحة