لايأس مع القلوب الفاسيه : قصه حزينه ومقرحه

الموضوع في ',, البُريمِي لِلقِصَص والرِوَايات ,,' بواسطة @@هاجـ الليل ـس@@, بتاريخ ‏5 يناير 2009.

  1. @@هاجـ الليل ـس@@

    @@هاجـ الليل ـس@@ ¬°•| عضــو مــهــم|•°¬

    تفتحت عيناى على خالة رائعة كانت بالنسبة لي بمثابة الأم الحنون ، وزوج خالة فاضل وأولاد وبنات خالة كانوا يكنون لي الحب الصادق .

    وحينما كبرت شيئا فشيئا أحببت أسرتي أكثر وأكثر .

    كانت خالتي وزوجها يداومان على صلاة الفجر وعلى إيقاظ أبنائهما ليؤدوا الصلاة جماعة .

    ولقد حرصت على الوقوف معهم وتقليدهم منذ أن كان عمري خمس سنوات .

    كان زوج خالتي حافظا للقرآن الكريم ، وكان صوته شجيا عذبا . وكان رجلا متدفقا بالحنان والعطاء وخاصة بالنسبة لي . وكان يعتبرني آخر أبناءه ، وكان يداعبني دائما ويقول : آخر العنقود سكر معقود!

    وفى الأعياد كانت تزورنا سيدة جميلة أنيقة وهى تحمل الكثير من الهدايا لي . وكانت تحتضني وتقبلني فأقول لها : شكرا ياطنط ! فتضحك قائلة : لا تقولي طنط . قولي دودو!

    وعندما بلغت السابعة علمت أن (دودو) هي أمي وأن عملها يستغرق كل وقتها ولذلك اضطرت أن تتركني عند خالتي .

    وفى يوم عيد ميلادي الثاني عشر حزمت أمي حقائبي واصطحبتني إلى بيتها .

    ....*
    كان بيت أمي أنيقا فسيحا في منطقة المهندسين . وكان لديها جيش من الخدم والحرس والمعاونين .

    وكان جميع من يحيطون بها يتسابقون لتلبية أوامرها وكأنها ملكة متوجة !

    ورغم كل مظاهر الثراء المحيطة بي إلا أنني شعرت بالغربة ، وأحسست وكأني جزيرة منعزلة في قلب المحيط !

    ورغم أن أمي كانت تلاطفني وتداعبني في فترات وجودها القليلة بالمنزل ، إلا أنني كنت أشعر وأنا بين أحضانها أنني بين أحضان امرأة غريبة عنى . حتى رائحتها لم تكن تلك الرائحة التي كنت أعشقها وأنا بين أحضان خالتي .

    كانت رائحتها مزيج من رائحة العطور والسجائر ورائحة أخرى غريبة علمت فيما بعد أنها رائحة الخمر!

    وبعد فترة قصيرة من إقامتي معها سألتها عن نوعية ذلك العمل الذي تمارسه ويشغلها عنى معظم الوقت ، فنظرت لي في تعجب كأني مخلوق قادم من المريخ وقالت :

    ألا تعلمين أنى أعمل ممثلة ؟ ألم تخبرك خالتك ؟

    فأجبتها بالنفي .

    فقالت بالطبع لم تخبرك فهي لا ترضى عن عملي . إنها تعتبره حراما . كم هي ساذجة!

    إن الفن الذي أمارسه يخدم رسالة نبيلة . إنه يهذب الوجدان ويسمو بالشعور .

    ثم جذبتني من يدي للصالون وقالت : سوف أجعلك تشاهدين كل أفلامي .

    ووضعت شريطا في الفيديو . وجلست لأشاهد ولأول مرة في حياتي فيلما لها .

    كان الفيلم يتضمن مشاهد كثيرة لها بالمايوهات الساخنة وبأقمصة النوم الشفافة ، ومشاهد عديدة تحتضن فيها رجلا وتقبله قبلات مثيرة .

    لم أكن قد شاهدت شيئا كهذا من قبل ، حيث كان زوج خالتي يمارس رقابة شديدة على ما نشاهده في التلفاز . وكان يأمرنا أحيانا بغلقه حينما تأتى بعض المشاهد ، ويغلقه تماما حينما تأتى بعض الأفلام والتي علمت فيما بعد أنها كانت من بطولة أمي .

    لم أعرف ماذا أفعل وأنا أشاهد أمي في تلك الأوضاع . كل ما استطعت القيام به هو الانحناء برأسي والنظر إلى الأرض .

    أما هي فقد ضحكت على من أعماقها حتى طفرت الدموع من عينيها !
    ....*
    وكبرت وأصبحت في الثامنة عشرة من العمر ، وحرجي من مشاهد أمي يزداد ، ومشاهدها تزداد سخونة وعريا ، ونظرات زملائي لي في مدرستي المشتركة تقتلني في اليوم ألف مرة.

    كانوا ينظرون لي كفتاة رخيصة سهلة المنال ، رغم أنني لست كذلك ولم أكن أبدا كذلك .

    على العكس . كنت حريصة منذ صغرى على آداء فروض ديني وعلى اجتناب مانهى الله عنه.

    وكنت أشعر بالحزن العميق وأنا أرى أمي وهى تشرب الخمر في نهار رمضان . وأشعر بالأسى وأنا أراها لا تكاد تعرف عدد ركعات كل صلاة .

    لقد كان كل ما تعرفه عن الإسلام الشهادتين فقط!

    ....*
    لعل هناك من يريد أن يسألني الآن : لماذا لم تعترضي عليها حينما كنت في ذلك العمر ؟

    من قال أنني لم أعترض ؟!

    لقد صارحتها مرارا وتكرارا بأن أسلوبها في الحياة لا يرضيني ، وتوسلت إليها أن تعتزل التمثيل وأن تبحث عن عمل آخر . فكانت تسخر منى أحيانا . وأحيانا تتظاهر بالموافقة على طلبي .

    وأحيانا تثور على وتتهمني بالجحود وتقول : ماذا تريدين بالضبط ؟!

    إنني أعاملك كأميرة . لقد اشتريت لك المرسيدس رغم أنك مازلت في الثانوية . كل فساتينك من أوروبا . كل عام أصطحبك إلى عواصم العالم .

    باختصار كل أحلامك أوامر !

    وحينما أرد قائلة : حلمي الأكبر أن أراك محتشمة كما أرى كل الأمهات .

    تصيح قائلة : المشاهد التي لا تروق لك هي التي تكفل لك هذه الحياة الرغدة التي تنعمين بها والتي تحسدك عليها كل البنات . لكنك عمياء لا تستطيعين الرؤية!

    وأمام رغبتها الجامحة للأضواء والشهرة والمال أضطر إلى أن أبتلع اعتراضي في مرارة .

    ....*
    وحينما اقترب عيد ميلادي العشرون سألتني عن الهدية التي أريدها . فقلت : رحلة إلى المكان الذي لم نزره من قبل .

    فاندهشت وقالت : وهل هناك مكان في العالم لم نزره؟!

    قلت : نعم ياماما . نحن لم نزر مكة .

    فتجمدت للحظات وقالت : مكة!

    فنظرت إليها في توسل وقلت : أرجوك ياماما لبى لي هذا الطلب .

    فابتسمت وقالت : وهل أستطيع أن أرفض لك طلبا يا حبيبتي !

    وكانت رحلتنا إلى الأراضي المقدسة!

    ....*
    إنني لا أستطيع أن أصف شعوري حينما وطأت قدماى الأرض الطاهرة . كان إحساسي وكأني أمشى على السحاب!

    كانت الفرحة تغمرني وشعورا بالهيبة يكتنفنى . وحينما رأيت الكعبة لأول مرة انهمرت الدموع من عيني ووجدت لساني يردد : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) آلاف المرات .

    وجاءني هاتف يؤكد لي أن الله تعالى قد استجاب لدعائي وأنه سيصلح من أحوال أمي .

    وتعجبت كيف جاءني ذلك الهاتف على الرغم من أن أمي كان يسيطر عليها الشعور بالملل طيلة الفترة التي قضيناها بمكة .

    وأدينا العمرة وعدنا إلى القاهرة وارتديت الحجاب .

    واندهشت هي من تلك الخطوة ولم تعلق عليها في البداية ، وانشغلت في تصوير بعض الأفلام والمسلسلات .

    وحينما انتهت منها وتفرغت لي قليلا بدأ الصدام بيننا .

    ....*
    كانت ترمقني بنظرات ساخرة وتقول : ما هذه العمامة التي ترتدينها ؟ ما هذا التخلف ؟

    هل صار لديك ستون عاما حتى ترتدي هذا الحجاب؟!

    ماذا سيقول عنى الناس وأنا أسير بجانبك؟

    طبعا سيقولون أنني أصبحت أم الحاجة!

    أنا التي أمثل دور الحبيبة حتى الآن أصبح أم الحاجة ؟!

    ما الذي سأفعله بفساتينك التي أحضرتها لك من أوروبا ؟

    هل أسكب عليها بنزين وأحرقها ؟!

    ذات مرة واتتني الشجاعة وقلت لها : أنا على استعداد أن أعيش مع خالتي حتى لا أسبب لك حرجا .

    وكأني نطقت كفرا ، ثارت وهاجت وصرخت قائلة : زوج خالتك رجل فقير لن يستطيع الإنفاق عليك . وأقسم لك لو غادرتى بيتي فلن أنفق عليك مليما واحدا ، أنا لم أربك حتى تتركيني .

    فقلت : حسنا . دعينى أعيش حياتي بالأسلوب الذي يرضيني .

    فنظرت إلى في حدة ثم قالت في سخط : أنت حرة!

    ومر عام على تلك المناقشات الساخنة والعلاقة بيننا في فتور حتى حدث تغير مفاجىء عليها بعد عودتها من تصوير أحد أفلامها في امستردام .

    ....*
    لقد أصبح الحزن يكسو ملامحها والقلق يفترسها . أمرتني ألا أقود السيارة بنفسي خوفا على حياتي واستأجرت لي سائق خاص .

    صارت لا تنام الليل إلا وأنا بين أحضانها ! . وحينما كنت أسألها عن سر هذا الحزن والقلق كانت تصطنع ابتسامة وتقول : ليس هناك حزن أو قلق .

    وحاولت أن أعرف سر هذا التغير من مديرة أعمالها ، والتي كانت تلازمها كظلها . وبعد ضغط وإلحاح منى قالت : حدث موقف غير ظريف في امستردام . لقد قابلت والدتك ابن عمها المهندس أحمد هناك بالصدفة . كان يعقد إحدى الصفقات لشركته .

    وعندما اقتحمت عليه المكان لتصافحه قال لها في جفاء : إنه سيء الحظ أمام هذه المصادفة ، وأنها صديقة للشيطان . وأنها بأفلامها تثير غرائز الشباب ، وأنها تدمن الخمر ولا تستر عوراتها.

    ثم قال : أنا أعلم أن روحك في ابنتك الوحيدة . احذري أن ينصب غضب السماء على ابنتك لتكتوي أنت بنارها!

    حينما أنهت مديرة الأعمال حديثها معي كنت أشعر وكأن أحدا ضربني بمطرقة فوق رأسي .

    كان قريبنا محقا في نهيه لها عما تفعله من منكر . لكنه كان قاسيا وغير عادل حين هددها بأن يحل انتقام الله في ، لأن الله تعالى لا يأخذ أحد بجريرة آخر . ألم يقل في كتابه الكريم : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )؟

    وانهرت من البكاء ورثيت لحالها ولحالي .

    ....*
    بعد عدة شهور حدث ما لم يدر بخلدي في يوم من الأيام !

    ظهر لديها ورم في الصدر ، وهاجمتنا الهواجس وتشككنا في كونه مرض خبيث ، وسافرت معها إلى لندن لإجراء العملية وحالتنا النفسية في الحضيض .

    وقبل لحظات من دخولها غرفة العمليات أمسكت بيدي وقالت : أنا أعلم مدى عمق صلتك بالله،

    وأعلم أنني لا أستحق ابنة طاهرة مثلك ، وأنني أسأت إليك كثيرا بأفعالي .

    لكن أرجوك ادع الله لي بالرحمة لو خرجت من الغرفة وقد غادرتنى الحياة .

    وهنا وجدت نفسي أبكى بعنف وأرتمي برأسي فوق صدرها وأقول : ستعيشين ياماما .

    ستعيشين لأني أحتاجك ولأن الله لن يحرم ابنة من أمها!

    فابتسمت وقالت : لو عشت فسوف أعلن لك عن مفاجأة!

    ونجحت العملية ، وسألتها عن تلك المفاجأة . فنظرت إلىّ نظرة طويلة في حنان ثم قالت :

    المفاجأة هي إقلاعي عن الخمر والسجائر كمرحلة أولى تتبعها مراحل أخرى!

    قفزت من السعادة واحتضنتها وطبعت قبلاتي حيثما طالت شفتاي فوق وجهها وعنقها وذراعها!

    كم كنت أتمنى أن تبدأ أمي هذه الخطوة !

    وبدأت أمي تؤدى فريضة الصلاة وتسألني عن مقدار الزكاة وعما خفي عليها من أمور دينها، وأنا أجيبها في سعادة .

    لكن دوام الحال من المحال ! فلم يمض شهر على تحسن أحوالها حتى عادت إلى سيرتها القديمة مرة أخرى ، ووجدتها ذات يوم عائدة إلى البيت في الرابعة صباحا وهى تترنح من الخمر ومديرة أعمالها تسندها وتمنعها من الوقوع على الأرض .

    فصرخت فيها والمرارة تعتصرني : خمر مرة أخرى!

    وأشارت لي مديرة الأعمال بأن أساعدها لإيصالها إلى غرفتها فاتجهت إلى غرفتي وصحت بأعلى صوتي : إذا كانت هي لا تساعد نفسها فلن يستطيع أحد مساعدتها .

    وصفقت باب الغرفة بعنف . وبعد قليل دخلت غرفتي مديرة الأعمال وقالت : أنا أعرف أن حالتك النفسية الآن سيئة . لكن صدقيني هذه أول مرة تعود فيها إلى الخمر منذ الوعد الذي قطعته على نفسها .

    لقد كنا في حفل عيد ميلاد زوجة نجم من كبار نجوم الصف الأول ، وظل ذلك النجم يسخر من إقلاعها عن الخمر ، ويقسم بالطلاق أن يحتسى معها ولو كأس واحدة .

    في البداية رفضت . لكن كبار المدعوين صفقوا لها بحرارة حتى تشجعت وشربت كأس الويسكى والكأس جر كؤوسا أخرى وراءه .

    صدقيني أمك تتمنى أن تتغير ، ولذلك أرجوك أن تقفي بجانبها .

    حاولت أن أتشبث بكلمات مديرة الأعمال . وأن أقنع نفسي بأنها تجاهد نزواتها حتى كانت سلسلة أفلامها الأخيرة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير!

    ....*
    سلسلة أفلامها الأخيرة كانت تتضمن قدرا كبيرا ومبالغا فيه من الإثارة .

    ولقد دفعتني الضجة التي أحدثها آخر أفلامها ، والحملة الصحفية التي شنتها الصحف المحترمة ضده إلى الذهاب إلى إحدى دور العرض لمشاهدته .

    ويا ليتني ما شاهدته . كان الفيلم أقذر ما رأيت في حياتي .

    كانت أمي تمثل فيه دور راقصة تتورط في جريمة قتل وتدخل السجن . وهنا يتحول الفيلم إلى وصف تفصيلي لما يحدث داخل سجن النساء من انحرافات وشذوذ جنسي .

    وكانت مشاهد الانحرافات و الشذوذ صريحة جدا وبشكل مقزز أثار عندي الغثيان والاكتئاب .

    وخرجت من السينما وأنا لا أدرى ماذا أفعل ؟ هل أطلق صرخاتي المكتومة في الشارع ؟!

    هل أهاجر إلى أبعد دولة في الكرة الأرضية؟!

    وعدت إلى المنزل بعد أن همت بسيارتي في كل شوارع القاهرة . وهناك وجدتها تتناول كأسا من الخمر.

    وحينما رأتني بادرتني بالقول : أين كنت يا حبيبتي؟ لقد قلقت عليك .

    فنظرت إليها وأنا أكاد أن أخنقها بعيني وصحت قائلة : كنت أشاهد آخر فضائحك!

    هبت واقفة وقالت : كيف تحدثيني بهذه اللهجة وأنا أمك ؟

    فقلت والشرر يتطاير من عيني : ليتك لم تكوني أمي ولم أكن أبنتك . ألم يكفك استهتارك وسكرك فتقومي الآن بتمثيل فيلم رخيص يخاطب غرائز المنحرفين والشواذ ؟!

    لقد وضعتٍ أنفى في التراب . أنت أسوأ أم رأيتها في حياتي .

    رفعت أمي يدها ثم هوت بها على وجهي في صفعة قاسية .

    تجمدت من الذهول للحظات . وبعد أن زال الذهول شعرت أنني سأموت كمدا لو مكثت في البيت لحظة واحدة . فغادرته وتوجهت إلى مسجد قريب منه .

    وفى المسجد تناولت مصحفا وجلست أقرأ وأقرأ والدموع تتساقط من عيني بغزارة ، حتى بللت دموعي صفحات المصحف .

    كان الشعور باليأس قد استولى علىّ . ولم أفق إلا على صوت آذان المغرب . ونهضت لأقف بين الصفوف وأصلى .

    ووجدت الإمام يتلو في الصلاة هذه الآيات : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ....... إلى أن وصل إلى قوله تعالى : ( اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون )

    وسرت في جسدي قشعريرة غريبة وأحسست وكأن الله عز وجل يخاطبني بهذه الآيات ليزيل ما بي من هم ويأس .

    نعم إنه يخاطبني ويقول : اعلمي أنه كما أحي الأرض الميتة بالغيث ، فكذلك أنا قادر على إحياء القلوب القاسية كقلب أمك ، وتطهيره بنور الإيمان .

    وبدأت السكينة تدب في قلبي . وعدت إلى البيت واستلقيت على الفراش ونمت كما لم أنم من قبل!

    ....*
    وفى الصباح وجدتها تجلس في غرفة المعيشة . كان وجهها حزينا ونظراتها شاردة .

    توجهت إليها وانحنيت على يدها أقبلها .

    نظرت لي والدموع تملأ مقلتيها ، وقالت لي بصوت مخنوق : تقبلين يدي بعد أن ضربتك بالأمس؟

    فقلت : أنت أمي ومن حقك أن تؤدبيني .

    فقالت : لا والله . لست أنت من يستحق التأديب . ولست أنا من يستحق ابنة طاهرة مثلك .

    ثم قامت وغادرت المنزل .

    وأدركت أن أمي ومنذ هذه اللحظة قد تغيرت . وأن قلبها بدأ يلين ، وأن نور الإيمان بدأ يتسرب إليها، فبدأت أكثف كل جهدي في دعوتها . وأخذت أحكى لها كثيرا عما يدور في دروس العلم التي أواظب عليها في المسجد ، وأدير جهاز التسجيل الموجود في غرفتي ليرتل آيات من الذكر الحكيم على مسامعها .

    وبدأت ألح عليها لتصطحبني إلى مجالس العلم لحضور الدروس الدينية ولو على سبيل مرافقتي فقط .

    حتى كانت اللحظة التي ارتدت فيها الحجاب ، حين دعوتها لحضور مجلس علم بمنزل إحدى الفنانات المعتزلات . ولم تمانع أمي ودخلت غرفتها لارتداء ملابسها ، ولم أتمالك نفسي من الفرحة عندما رأيتها وقد وضعت على رأسها طرحة بيضاء .

    لقد كانت الطرحة كأنها تاج من السماء توجت به نفسها .

    وطلبت منى في فجر ذلك اليوم أن أصلى بها . وبعد أن قرأت فاتحة الكتاب فكرت هنيهة فيما سأتلوه من آيات . ووجدت الله تعالى يهديني إلى أن أقرأ هذه الآيات : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين )

    وبمجرد أن تلوت هاتين الآيتين حتى وجدتها تجهش في البكاء وتنتحب . ويهتز جسدها كله من شدة الانفعال .

    وخشيت عليها فأتممت الصلاة واحتضنتها لأهدأ من روعها . وكالطفل المتعلق بأحضان أمه تشبثت بي .

    فقلت لها : سأحضر لك كوبا من عصير الليمون .

    فتشبثت بي أكثر وقالت : لا . أريد أن أتحدث معك وألقى بالهم الذي يرزخ فوق صدري .

    فقلت : حسنا يا أمى تحدثي .

    ....*
    بعد تنهيدة حارقة تحدثت أمي فقالت : عندما بدأت رحلتي مع الفن كنت أبعد ما أكون عن الله .

    لم يكن يشدني إلى الحياة سوى المال والشهرة وقصص الحب .

    ومع الأيام زادت نجوميتي . لكن إحساسا غريبا بدأ ينتابني .

    كنت أشعر وأنا في قمة المجد بأني أيضا في قمة الوحل .

    كثيرا ما أحسست برغبة عارمة في أن أحمل سوطا وأجلد نفسي . وكم وقفت أمام المرآة وأنا في أبهي زينة ثم تمنيت أن أبصق على وجهي .

    كانت أمي تستطرد في حديثها والدموع تتهادى فوق وجنتيها . فقلت لها : إن كل دمعة تغسل ذنبا وتطهرها من خطيئة . ثم دعوتها أن تكمل حديثها فاستطردت قائلة : عندما أصابني المرض وذهبت إلى لندن لإجراء العملية ، تخيلت نفسي ألفظ آخر أنفاسي وأعود إلى القاهرة داخل صندوق جثة بلا حياة .

    وسألت نفسي : ماذا سأقول للملائكة في القبر وهم يسألوني عن حياتي العابثة التي لا تحكمها المقاييس المنطقية أو المعايير العقلية ؟

    لكن كان عشقي لنفسي وللأضواء المبهرة أكبر من وخزات الضمير . فبمجرد أن منّ الله علىّ بالشفاء حتى عدت إلى الوحل مرة أخرى .

    وذات مرة استوقفني أحد الأشخاص وقال لي : أي عورة سترتها يا نجمة يا ساطعة ؟! احذري أن ينصب غضب السماء على ابنتك لتكتوي أنت بنارها !

    وكأنه رماني بجمرات من جهنم . طار النوم من عيني بعد كلماته المسمومة ، وظل شبح الانتقام الإلهي يطاردني .

    كنت أنظر إليك وأسأل نفسي : ماذا لو أصابك لا قدر الله مكروه وأنت نور عيني ؟ بالطبع كنت سأنتحر .

    هكذا صنع ذلك الشخص عقدة لم تنفك عنى أبدا . كنت كلما أذهب إلى البلاتوه تقفز صورتك أمامي وأسمع كلمات ذلك الرجل كأنه ينطق بها في التو فأبكى وتقتلني الهواجس .

    لقد كنت أتعذب عذابا أليما يفوق احتمال البشر .

    حتى جاءت اللحظة التي صارحتينى فيها بسكري واستهتاري .

    لقد كانت لحظة رهيبة نزعت فيها القناع الذي أخدع به نفسي من على وجهي ووضعتينى أمام حقيقتي المرة .

    لحظتها لم أستطع أن أتحمل رؤية نفسي على حقيقتها فضربتك .

    وبعد أن ضربتك صرخت في نفسي : ألهذه الدرجة وصل بي الغرق في الوحل؟!

    ألهذه الدرجة توحشت حتى أتطاول بيدي وأؤذى قلبي وروحي وأغلى الناس عندي ؟!

    ماذا تبقى لي من سوء لم أفعله؟!

    وقلت : ياإلهى بدلا من أن أشكرك على أنك قد وهبتني ابنة صالحة لم تشب طهارتها شائبة رغم كل ما يحيط بها ، أبيع حياتي بهذا الثمن الرخيص ؟!

    ملعونة الأضواء . ملعونة الشاشة . ملعونة الأموال . أنا أبحث عن الطريق إلى الله .

    كانت كل كلمة من كلمات أمي تنبض بالصدق والإيمان ، فقلت لها بعد أن أنهت حديثها : أنا أعلم أنك راغبة حقا في الرجوع إلى الله . لكن أصارحك القول : أنا أخشى أن تخذليني مرة أخرى.

    فقامت وتشبثت بيدي كالغريق الذي يتعلق بحبل نجاة وقالت : لا تخافي . أنا مصممة هذه المرة على مواصلة الطريق إلى الله حتى آخر لحظة في حياتي . كل ما أرجوه منك أن تستمر مؤازرتك لي .

    ولقد صدقت وعدها . ولم تخذلني بعد ذلك أبدا . وأصبح شغلها الشاغل العبادة والاستغفار والعطف على الفقراء والدعاء ليلا ونهارا بأن يقبض الله روحها في شهر رمضان .

    وبعد عدة سنوات من اعتزالها التمثيل وفى يوم من أيام شهر رمضان المبارك انتقلت روحها الطاهرة إلى بارئها وكانت صائمة قائمة متبتلة .

    اللهم ارني الحق حقاً وارزقني إتباعه
    وارني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه
     
  2. حشيمة القلب

    حشيمة القلب <font color="#DA0202"><b> ¬°•| إدارية سابقة |•°¬<

    قصه حلووه وايد


    اهم شي النيه اذا كان الانسان ناوي يقلع عن هالشي راح يسوي

    :: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم::



    تسلمين فديتج ع القصه يعطيج الف عافيه
     

مشاركة هذه الصفحة