القراصنة الصوماليون .. صناعة غربية ومآس عربية

الموضوع في 'مركز البُريمِي للأخبَار المَحَلية و العَالميةّ' بواسطة الغــريب, بتاريخ ‏27 نوفمبر 2008.

  1. الغــريب

    الغــريب ¬°•| نعم نعم |•°¬

    [​IMG]



    القرصنة في خليج عدن ظاهرةٌ خطيرةٌ على الاقتصاديات العالمية، وأكثر فداحةً وخطورة على الاقتصاديات العربية، لاسيما الدول العربية الْمُطِلَّة على البحر الأحمر، وهي مصر والسودان والصومال وجيبوتي واليمن والسعودية والأردن ، بالإضافة إلى إريتريا.

    المشكلة، بالإضافة إلى أن الدوافع وراءها مادية، نتيجةَ فقدان القراصنة لعملهم، إلا أنه ربما كان وراءها سببٌ نفسي مهم، وهو أن العالم ترك الصومال ينزف منذ رحيل سياد بري، إلى الآن.

    جياع الصومال أقلقوا العالم بقرصنتهم في البحر، من جرّاء تراكم مآسيهم التي صنعتها أوكارُ قرصنة دولية، على رأسها القرصنة الأمريكية التي تُشَرْعِنُ احتلال إثيوبيا للصومال، واحتلال إسرائيل لفلسطين، واحتلال أمريكا للعراق وأفغانستان.

    ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول السواحل الصومالية إلى أوكارٍ يَرْتَعُ فيها القراصنة الذين فشلوا في الدفاع عن بلدهم أو تحريره أو تنميته، فاختاروا أن يُنَمّوا أنفسهم بما اعتبروا مُمَارسًا على أرضهم على مدى سنوات، واختاروا أن يكون انتقامهم في عُرْضِ البحر!

    أمريكا المسئول الرئيسي

    كثير من الهجمات عند القرن الإفريقي حدثت تحت سمع وبصر وجود عسكري أمريكي كبير، فرغم تحديد الأسطول الخامس الأمريكي مَمَرَّ ملاحةٍ يمكن مراقبته إذا سارت السفن فيه، لكنّ التدخل لا يحدث!

    فرغم وجود الأساطيل البحرية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي من المفترض أنْ تُشَكِّل رادعًا للقراصنة، إلا أن الأمر المثير للانتباه أن تلك الدول أعلنتْ تَنَصُّلَها عن مسئوليتها في حماية السفن التجارية.5

    الولايات المتحدة تقف وراء تزويد القراصنة الصوماليين بالأسلحة الحديثة، والزوارق، وأجهزة الكمبيوتر الموصلة بالأقمار الصناعية، وهي تهدف من ذلك إلى إيجاد حالة من الفوضى في منطقة القرن الأفريقي لأهداف سياسية.

    القراصنة الصوماليون يتمركزن في مناطق غير مأهولة بالسكان على الساحل الصومالي الْمُطِلّ على البحر الأحمر؛ حيث يكمنون للسفن العابرة، مُزَوَّدِين بأجهزة "لاب توب" موصلة بالأقمار الصناعية، ولا يملك أن يفعل ذلك إلا الولايات المتحدة.

    عمليات القرصنة هذه ما كانت لِتَتُمَّ بنجاحٍ، دون دعم استخباراتي وتكنولوجي يُوَفِّرُه الأمريكان.

    الولايات المتحدة الأميركية هي المسئولة، منذ أن أعلنتِ الحربَ على الصومال، وفجَّرَتْ حروبًا لم تنتهِ في القرن الإفريقي، وفي النهاية انسحبت قواتها بعد فشل العملية التي أطلقت عليها "الأمل" في أوائل التسعينيات، من القرن الماضي، بعد أن قام الصوماليون بِسَحْلِ عدد من الجنود الأميركيين في شوارع مقديشو، لتدخل الصومال حربًا مفتوحة، أدّت إلى سقوط الدولة، وتَحَوُّلِها إلى ميليشيات، وعصبيات، وقبائل ممزقة، تقاتل بعضها بعضًا.. مما أغرى دول الجوار بالتدخل، وبالذات أثيوبيا، بموافقة واشنطن، مستغلةً عداءها للصومال، والنزاع على إقليم "أوجادين" الذي قامت بِسَلْخِه، والحرب التي تفجرت بين البلدين في السبعينيات من القرن الماضي بسبب هذا الإقليم.

    نستطيع أن نقول: إنه بتواطؤٍ غَرْبِيٍّ حِيَالَ عمليات القرصنة البحرية في خليج عدن، ربما لإيجاد المبرر لمضاعفة الوجود العسكري الغربي فيه، وطَرْح فكرة تدويل مياه البحر الأحمر، الذي يصب في خليج عدن.

    القراصنة الصوماليون بدءوا نشاطهم بأسلحة خفيفة تقليدية، ووصل بهم الحال حاليًا إلى امتلاك أحدث الأسلحة المتطورة، وأحدث تقنيات الاتصالات، والتي قد يكون بعضها غير متوفر لدى قوات خفر السواحل للدول الْمُطَلِّة على خليج عدن والبحر الأحمر.

    الدور الصهيوني

    الدور الصهيوني موجودٌ وحاضر في الأزمة، فإسرائيل سعتْ منذ نشأتها لتدويل البحر الأحمر، باعتبار أن جميع دول البحر عربية، وهو الأمر الذي يَحُدُّ من مخططاتها للسيطرة على المنطقة العربية بأسرها، ولذا ركّزت على تمزيق الصومال، كبدايةٍ لتدويل البحر، والسيطرة على طرق الملاحة فيه.

    إسرائيل، إذًا، تريد أن تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر من أجل هدف آخر، وهو تأمينه مما تُسَمِّيه خطر وجودِ قُوًى أصولية إسلامية، حيث إنها تخشى أن تؤدي سيطرة الإسلاميين على الحكم في تلك الدولة إلى تهديد أَمْنِ حليفتها إثيوبيا.

    المخطط الصهيوني استدار ناحيةَ تدويل البحر الأحمر؛ لأن الدولة العبرية لا تمتلك سوى عدة أميال في "إيلات" علي شاطئ البحر‏,‏ وهذا لا يتيح لها ممارسة دور القوة البحرية‏,‏ أو تأمين خطوط الإمداد في حالتي السلم والحرب.

    تهدف إسرائيل أيضًا إلى التأثير على حركة المرور بقناة السويس؛ لضرب مصر اقتصاديًّا، كون هذا الممر الملاحي الحيوي يشكل ثاني أكبر مَوْرِدٍ للدخل للحكومة المصرية.

    مصر أكبر المضارين

    الأثر المتوقع على قناة السويس- التي تعتبر ثالِثَ مصادر الدخل القومي المصري، إذا كَفَّتِ الشركات الملاحية عن استخدام المسارات الملاحية في خليج عدن، والبحر الأحمر، نتيجةَ تزايد عمليات القرصنة قرب سواحل الصومال- كبيرٌ وخطيرٌ، خاصةً وأن قيمة أقساط التأمين على السفن في خليج عدن تضاعفتْ عشر مرات، الأمر الذي يعني أن السفن قد تجد نفسها مضطرةً إلى تَجَنُّبِ الملاحة عبر خليج عدن وقناة السويس، والمرور بدلًا من ذلك عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

    ويبلغ دخل قناة السويس 4.2 مليار جنيه سنويًّا، وتمر عبرها 7.5 % من حركة التجارة الدولية، وهذا بالتالي يوضح أن قناة السويس ستتأثر إذا استمر القراصنة في اصطياد السفن المارة في البحر الأحمر، وسيَقِلُّ دخلها إلى الربع وربما أكثر.

    ومع كل هذه الخطورة المحتملة، إلا أن مصر لم تتخذ ، حتى الآن، أي رد فعل على عمليات القرصنة البحرية التي تجوب مياه المحيط الهندي وبحر العرب.

    الحل صعب ومعقد

    ويضاعف من تعقيد المشكلة أنّ عصابات القرصنة أقامتْ علاقاتٍ مع مسئولين فاسدين في حكومة بونتلاند، كما أنهم يُقَدِّمون الرشاوى إلى مسئولي الموانئ للسماح للقراصنة باستخدام ميناء آيل وغيره من الموانئ القريبة، كقاعدةِ انطلاقٍ لعملياتهم، ولإرساء السفن المختطفة فيها أثناء تفاوضهم على الفدية.

    وقد طلبت الشركات البحرية من الأمم المتحدة فَرْضَ حصار بحري على السواحل الصومالية؛ لمنع أعمال القرصنة، مُوَضِّحَةً أن فرض حظر بحري على الصومال يُعَدُّ الطريقة الوحيدة لتكبيل يد القراصنة ومنعهم من التمادي في نشاطاتهم. إلا أنَّ رد الفعل الأوَّلِيّ لِحِلْفِ شمال الأطلسي جاء مُتَحَفِّظًا، إذْ قال الحلف: إنه يحتاج لدراسةِ الفكرة، مشيرًا إلى أنه لا خُطَطَ حالِيَّةً للتدخل البَرِّيّ أو البحري.

    وطبعًا لا تملك الأمم المتحدة أن تفعل شيئًا، طالما أنّ الولايات المتحدة والدول الغربية الأساسية، أعضاء حلف شمال الأطلنطي، لا تريد أن تفعل شيئًا!

    إرادة عاجزة وتحديات خطيرة

    الدول العربية المطلة على البحر الأحمر على وَعْيٍ كامل بأبعاد المخطط الأمريكي الإسرائيلي، والأفكار العربية المطروحة تَسْتَنِدُ إلى حقيقة أن البحر الأحمر يربط بين الأمن القومي العربي، وأمن الدول العربية المطلة عليه، وأَمْنِ منطقة الخليج‏,‏ وأنّ أَيَّ إخلالٍ بأمن البحر الأحمر، وأمن دوله العربية الْمُطَلِّة عليه، سيُؤَثِّرُ حتمًا على منظومة الأمن العربي الجماعي‏.

    الجامعة العربية اقترحت تشكيل قوة بحرية عربية مشتركة لمواجهة المشكلة، وترفض أيضًا فكرة "تدويل الأزمة" في هذه المنطقة الحيوية، مؤكدةً قُدْرَة الدول العربية "المتشاطئة" على اتخاذ الوسائل والإمكانيات للقضاء على ظاهرة القرصنة البحرية، لكنّ الواقع الفعلي يُؤَكِّدُ أن الإرادة العربية أضعفُ من أن تتخذ القرار المطلوب لحماية الأمن القومي العربي.

    التحركات الأمريكية والأوروبية في البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي، تُشِير إلى وجود مخطط دَوْلي يتم تنفيذه بخطًى حثيثةٍ، تحت لافتة "القراصنة"، يقود في نهايته إلى سيطرةٍ بريطانيةٍ على خط الملاحة الدولي، المارِّ عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

    تداعيات المشكلة قد تؤدي إلى اكتساب أطراف أجنبية حقوقًا في المنطقة نتيجةَ تَشْرِيع مبادئَ يُسَاءُ استخدامها، على حساب السيادة العربية، فزيادة الوجود العسكري الأجنبي تحت ستار مكافحة القرصنة، قد يُؤَدِّي إلى استخدامه لمصالح أجنبية وإسرائيلية، حين يُسْتَخْدَمُ للضَّغْطِ على دول المنطقة، وإمكانية المزيد من التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية، بما فيها فَرْضُ تسهيلات عسكرية.

    عودة الاستقرار إلى الصومال، هو وَحْدَهُ الكفيل بإنهاء ظاهرة القرصنة، ولكن هذه العودة مرهونةٌ بانسحاب القوات الأثيوبية الغازية، ووقْف التدخلات الخارجية في هذا البلد، الذي يعاني مواطنوه من مجاعةٍ حقيقيةٍ، تُهَدِّدُ أكثر من 2.5 مليون طفل بالموت، وعلى رأسها التدخلات الأمريكية والغربية.


    http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-13-104697.htm
     

مشاركة هذه الصفحة