ممّا علّمني أبي!

الموضوع في ',, البُريمِي لِـلخَواطِر ,,' بواسطة عتيق بن راشد الفلاسي, بتاريخ ‏15 ماي 2012.

  1. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    كنت أجلس قبل قليل إلى والدي يحدثني عني أيام كنت بين يديه صغيراً، ألقي بثقلي عليه دون استثناء شيء مني ، كأنما أحمّله جميع ما آتي من عبث ، وتخبط، وخطأ وصواب ..وهو ذلك النبع الصافي العذب من الحب ..
    ذكريات الطفولة تروى على لسان من رعاها، ورباها، وعاصرها حياته المفضلة لديه..وهو يردد جرسها العتيق في مسمعي أحس أن العطاء يومئذ كان عن باعث حب ورغبة، والصبر والاحتمال كانا عن باعث غريزة تصقلها نشوة، وشتان بين من يعطيك عنوة، ومن يعطيك حباً..تلك هي الحياة في عطائها للإنسان وهي تلتزم جميع عقود وعهود الحب والوفاء ولا أعتقد أن لها شبيهاً يحتذى..
     
  2. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    تعلمتُ من أبي كثيراً مما يترفع به الإنسان عن مستوى المألوف ، فالمألوف علَّمنيه عن طريق الحياة العملية، والتي جعلها لي درساً نابعاً عن صحبته ومجالسته ومشاهدة سجاياه العملية في الواقع.
    لكنه علمني أن العمر الإنساني لا يحتمل استعبادا من مثيله، ولا ممن هو في درجته، ويكفي في ذلك عبودية الإنسان لخالقه فحسب..قال لي أبي يوماً:
    ليكنْ أغلى ما تحتضنه بين جوانحك إنسانيتك، فاحذر أن ترخصها لتجري بها إرادة غير إرادتها ، أو تتحكم فيها غير مادة حريتها، فإن استعباد مثيلك لك يعني محوك ليحل محلك، فهو استعباد لمصلحة واحدة تخدم جهة واحدة هي جهة من استعبدك.
    أما أن يستعبدك من هو أدنى منك درجة فهذا لا يعني سوى إلغاء الميزان الكوني لهذه الحياة، ومن هنا فإن من لا يجدر بهم لقب الإنسان هم أولئك الذين تستعبدهم عادة، أو أكلة معينة، أو شرب شيء ما، أو استعباد مال من شأنه التغير حسب إرادة الإنسان .
    وقال لي أبي وأنا منتبه بكليتي إلى كليته..قال لي أبي ما أعده معالم الدرب عطاء من خير الناس...طيّب الله أنفاسك الغالية يا أبي.
     
  3. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    علّمني أبي أن العنصر الأخلاقي لا يولد مفصلا على الموقف الإنساني ؛ بل يصنعه الموقف، ويعطيه القياس الملائم ليكون لائقاً به..ومن هنا فإن كثيرا من المواقف تتطلب اجتماع أكثر من عنصر أخلاقي ليكون دورها رائداً في إقرار شيء من قوانين الحياة الفطرية.
    وقال لي أبي: "ليس للأخلاق نسبة حقيقية يبرمها الإنسان في حيز الثوابت القطعية ، فإن ما يقبله طبعٌ ما لخلق الصدق مثلا يرفضه طبع آخر لأن الصدق في بعض الأحيان جريمة..ولا يحل محله إلا نقيضه وهو الكذب، ومع ذلك فإن ما حل محل الصدق لاقتضاء مصلحة ما لا يطلق عليه إلا صدق ناب عن صدق.
    فاحرص يا ولدي على تفطن الخلق قبل إيراده، وعلى منطق موضع الخلق قبل الغشامة في فرضه، وتفطنْ لبدائل الخلق المقترحة لتكون في مصبه جارية، وفي دربه سائرة..."..
    وقال لي أبي كثيراً، وما زالت جلساتي معه أرقى بكثير من خلوة فيلسوف أو مصلح اصطفى لعلمه خير من يعلم من سابقي تلاميذه....طيب الله أنفاسك يا أبي.
     
  4. شيخة شملات

    شيخة شملات ¬°•| عضو مميز |•°¬

    :35::35::35:أعجبتني جدا الكلمات جزاك الله خير
     
  5. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    وجزاك أختي بمثل ما دعوت.
     
  6. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    تعلمت من أبي أن كل قدرة إنسانية وهبني الخالق إياها يقابلها ذات المقدار من النجاح، وما الفشل إلا نتيجة طرح بعض مدخلات تلك القدرة من معادلة النجاح..ومن هنا فإن أبي كثيرا ما يحكي لي قصة دراستي في مراحلها الأولى ، حينما كان يحبب إليّ حافز المستقبل على حافز الحاضر العجِل ، وربط ذهن الطفل بقيمة مستقبيلة تستدعي مهارة فوق مهارة الإقناع العادية ؛ لأنها نقلة من عالم محسوس مشاهد معاش إلى آخر لا وجود له إلا عن طريق تقوية حاسة الإدراك المتعمقة المدفونة في ذات الطفل هنا.
    كان أبي يقدم لي تلك الوجبة المستقبيلة لأجد طعمها في فمي كأن عهدي بها للتوَ..فأحببتها لأن أبي أراني منه كم هي غالية عنده، فحرصت على التفوق كمخرج لتلك القدرة، بل كنت أسأل أبي عن قدرة إضافية أحياناً طمعاً في مخرجات أقوى وأكبر.
    وما زال أبي معي بكليته الآن وأنا في هذه المرحلة من الدراسات العليا ، وكأنه يستحلي قرص أذني من جديد، وأنا أفخر أن أذني احمرتْ من أصبعه الغالية..
    حرص أبي كثيرا على تفوقي ، فقال لي ما يعد دستور حياتي العلمية..وقال لي ، فأهداني وهداني....طيب الله أنفاسك يا أبي.
     
  7. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    علمني أبي أن تلازم مابين الضرورات ونتائجها طبيعة الحياةإلا في لوائح الحب فلا تلازم بين مدخل منطقي ومخرجه مهما صفت الحياة، وكثرت التضحيات..ففي الحياة يلزم من النوم راحة البدن، ومن الهدوء صفاء الذهن في التفكير، ومن الطعام والشراب استمرارية الحياة ، أما في الحب فليس إلا قلب الأوضاع ما يُمنَّى به العاشق ، ويحصد نتاجه المنقطع صريعاً في حب من لا يحسب لمحبوبه مثقال ذرة من وزن، أو خردلة من مكيال. فماذا جنى ساهر الليل قريح الجفن رمز الحرمان إلا زيادة ما على مقدار الصد من صد، وكأن التجاهل منها لا يزداد ضراوة إلا على زيادة وفائه، وصدقه، وانقطاعه!!.وتلك هي علامة انفصام التلازم بين ما يفعل ، وما ينتظر، وما يعطي، وما يرتقب..وهكذا تستمر الحياة في نزف من جانب واحد يكون بمثابة الوقود الروحي للجانب الآخر فيزداد به تثاقلاً يكون الوقود المؤدى للطرف الأول حتى يعيش لها ولها لا لغيرها بكامل وفائه.
    ومن قصر فهمه عن استيعاب الطبيعة الأنثوية هنا سقط في جريرة النقص عندهن ولم يشفع له بعد ذلك دمه يقدمه على صفحة عنقه لها.
    إن مَنْ حيل بينه وبين استيعاب أنوثة المراة لم يكشف من نفسه إلا بنداً واحدا تسمّر عنده ، وعطّل جوانب منها قصُر عنها لأنه اكتفى، ومن أشعر ذاته بالاكتفاء رأيتَ انعكاس اللون الواحد في ثوبه، وطعامه، و.....، وتفكيره، ومن ثم نظرته الضيقة للآخرين، وعلى طرف الشط الآخر من جانبي الحياة مظهر الجمال فيها والمدعو بـ المرأة.
     
  8. أزهار الكرز

    أزهار الكرز ¬°•| مشرفة الخواطر |•°¬

    جميلةٌ أحرفك
    لا يمكننا القول
    سوى تحية تقدير + ختم يستحق المشاهدة
     
  9. روح الخير

    روح الخير ¬°•|عضو مهم |•°¬

    أيها الأستاذ الراقي بطرحك وفكرك
    يعجبني كثيرا ماتسرده لنا
    اتعلم منك الكثير والكثير فكلمات نبراس ووهج نور نستضيء به معالم حياة قد لا نفقها مع متطلباتها الكثير
    أيها الرائع بطرحك وأسلوبك تعريني في بعض الحيان نبرة سعادة مع دمعة تكون حزينه في النزول بما أستلذ به من طعم الراحة لقراءة ماتطرحه

    كلماتي لا تصل إلى ماأرجو أن يصل
    ولكن المتعة والتعلم والأخذ بماتطرح يسعدني ويفرح خاطري

    دمت متألقاً في سماء النجاح
    وبقلمك طريق خير مفروش بالورود

    الله يعطيك العافية ويجزيك كل خير
     
  10. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    وهذا يدل على عمق فهمك، وشفافية ذوقك، وتقديرك البالغ للغة الأدب....شكرا على حفاوتك السامية سمو روحك.
     
  11. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬



    ما أكرم هذا النبل الذي تتمتع به أخي الكريم!!
    زادك الله نبلا، وحباك من فضله ما تقر به عينك، وأكثر من أمثالك الذين يعرفون للأدب قيمته، وهم والله مرادنا، أولئك السابرون كنوز البيان الواقفون على لغة كلام الرحمن..أكرر شكري وتقديري لروحك الطيبة سيدي.
     
  12. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    علمني أبي أن الوجود بأسره في مفهوم الحرية قيد لو سمحنا لشيء منه أن يحجر علينا نعمة الإرادة، أويعلن ملكيته لذرة من ذرات الهواء السارية جيئة وذهاباً إلى ومن دواخلنا، وتلك هي ميزة بقية الكائنات علينا في أنها تعاملت مع أوساط عيشها خارج حدود الملكية، وأحقية الحيازة، وهذا لي، وذاك لك. وما رأيناها تحمل ورقة بتوقيع مستبد، أو اتفاقية لصوص لهم ماليس لغيرهم..ولقد حاولت كثيرا الارتقاء بذاتي إلى مصاف تلك الكائنات العجماء فحررت ذاتي من قيود الأوهام، وكذبت فرية المسؤولية الأفاكة الداعية إلى الرضوخ قهرا تحت مطرقتها التي لا تسأل عما تفعل ونحن نسأل عن كل ما نفعل ومالا نفعل.

    لقد قالها لي أبي مرة: قم إلى طبيعة الله الواسعة، ولا تحسب خطوات ركضك على ظهرها، ثم قف قليلاً على شاطيء بحر لتملأ رئتيك من هواء الله المشاع الحر قبل أن تبيعه عليك إقطاعات الإنسانية بثمن لا حرية لك في مراجعة ظلمه، ثم اصرخ في صحراء تجوبها قدماك كما تشاء، واصرخ كثيرا كما تشتهي نفسك معتقداً أن هذا الفضاء ما خلق إلا لك، ولك من الحرية فيه مالا يطغى على حرية غيرك.

    وقلت لابي حينها: ها أنت فتحت لي الباب على مصراعيه، فأنا منذ زمن تحسب علي جرعات الهواء أشد من حساب جرعات الماء، ولأول مرة تتسع نفسي لاتساع مدى نفَسي الخارج من رئتي ، ولأول مرة يا أبي أكتشف أن في رئتي مزيد اتساع ، وكأنما زادت سعتهما على مااعتدناه من ضيقهما ...لك وفائي الغارق في بحر بِرك يا أبي.
     
  13. حكآيةة غيم

    حكآيةة غيم ¬°•| مُشرفة الخَواطر |•°¬

    أستـــاذي.........
    دائــما تنتــقى لتــرتقي فــي نســج روائـع الكلمـ
    عنــوان جميل وكلمات اجمل
    كل التوفيق لك
     
  14. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬


    لولا وجود القاريء الحاذق أمثالكم ما كتبت، ولا انتقيت...

    أنت متذوقة نافذة الحس، ثاقبة النظرة، وكلي فخر أن تكوني جارة حرفي دوما...لك بالغ الشكر.
     
  15. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    علمني أبي أن سياسة الجمع يلزمها سياسة ترويض المحتوى على تقبل المجموع الحال فيه، ومنها سياسته فيما يتلاءم معه كما، وكيفا..فعادة الشيء طبيعته الصريحة بتقبل، أو عدم تقبل الحال فيه خاصة إذا كان نشز الحال عن طبيعة المحل.
    ومن هنا عملت جاهداً على ألا أستهوي سياسة الجمع حتى أدرك مدى تقبل ذاتي لاحتواء كل واحد من أفراد المجموع. فكان هنا نوع تدليل للنفس ألا ترغم على شيء ما لم يسغ لها تشربه، وألا تجبر وفق طريقة الإغراء على تكديس الكم النوعي فيها وهي غير قادرة على التكيف السليم مع مجموع ذلك.

    وقال لي أبي: تعلم يا بني كيف تكسب ذاتك قبل كسب الآخرين، فإن الصحبة درجات، وأولها بل أهمها صحبة الذات عندما تتفهم مرادها، فترويها من الكأس الذي اختارته هي ، وتشبعها من ذات الصحفة التي تبنت نوعها هي كاختيار لها لا يشاركها فيه أحد.

    ومن قبيل الحسرة أن تجد شخصاً معاقد شهوته موثوقة بحب التكثر من الشيء، في الوقت الذي يخسر فيه من معنويات السلامة، والحفظ بأكبر من مقدار ما أدخل إلى نفسه من إغراءات التكثر، ومن هنا كان حكم القرآن على الإنسان بالتعجل في مكانه من حيث كونه لا يرى بناظريه، ولا بثاقب فكره إلا سياسة المدخلات، مع الإغفال الكامل عن كنه المخرجات.
     
  16. عتيق بن راشد الفلاسي

    عتيق بن راشد الفلاسي ¬°•| عضــو شرف |•°¬

    علمني أبي أن بناء الذات منوط بشيئين: فكرة، وزمن...فالفكرة جارية مجرى العنوان، وإن شئت قل: هي الطينة الآدمية الساجد لها الملائكة أمراً، ثم هي العابث بها الشيطان اختيارا، ومتى ما تبلورت فكرة بناء الذات وفق هاتين الحالتين المتقابلتين أتيح للإنسان حق الاختيار بين بناء ملائكي يقيم ذاته ، أو تردٍّ شيطاني يهوي بذاته في دركاته...

    أما الزمن فهو الجامع لمهمات اللحوق بالذات حتى لا تتأخر، لأن طبيعة الزمن تأنف الوقوف، وتنأى عن الانتظار، وكلنا هنا منتظرون، والزمن لا ينتظر أحداً. ومتى ما أدرك الباني سبق الأيام أمام تأخره علم قيمة اليوم عن الغد، كما علم قيمة الأمس يوم أن كان في مقام اليوم.

    وقال لي أبي كثيراً ، وكم تربع في جلسته، وأنا أمامه أجلس القرفصاء منصتاً لحلو حديثه، وكأنما أنهل من فيض سماوي وهو يتحدث لي من عراقة الماضي، وحتمية استدراك اليوم.. طيب الله أنفاسك يا أبي.
     
  17. [ود]

    [ود] ¬| رُوحٌ مُحلِّقَة بَين أسْرآبِ الأمَل ✿ ،

    حديث الوالد يذهب بي بعيدًا حيث النقاء ..
    أصغيت لهذه الدرر الوالدية و كأنما كنت أجلس معكم
    و ألتقاها مشافهة ..
    هذه الدروس تكتب بماء الذهب

    أديبنا القدير دمت بكل خير
     

مشاركة هذه الصفحة